التّعريف:
1 -المُوالاة في اللغة: المتابعة ، يقال: والى بين الأمرين مُوالاةً ووِلاءً - بالكسر - تابع بينهما ، ويقال: أفعل هذه الأشياء على الوِلاء ، أي متتابعةً ، وتوالى عليهم شهران: تتابعا، وتطلق الموالاة في اللغة على المناصرة .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ .
قال الآبي في تعريف الموالاة بين فرائض الوضوء ، الموالاة: عدم التّفريق الكثير بين فرائض الوضوء ، ويسمّى فورًا .
وقال البركتي: الموالاة في الوضوء: هي غسل الأعضاء على سبيل التّعاقب بحيث لا يجف العضو الأوّل .
وقال الكاساني: المُوالاة: هي أن لا يشتغل المتوضّئُ بين أفعال الوضوء بعمل ليس منه .
الألفاظ ذات الصّلة:
التّرتيب:
2 -التّرتيب في اللغة: جعل كلّ شيء في مرتبته .
وفي الاصطلاح: هو جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد . ويكون لبعض أجزائه نسبةً إلى البعض بالتّقدم والتّأخر ، وعلى ذلك فالموالاة والتّرتيب متقاربان في المعنى إلّا أنّ الموالاة تختلف عن التّرتيب ؛ لأنّ التّرتيب يكون لبعض الأجزاء نسبةً إلى البعض بالتّقدم والتّأخر بخلاف الموالاة .
وأنّ الموالاة يشترط فيها عدم القطع والتّفريق .
الأحكام المتعلّقة بالموالاة:
تتعلّق بالموالاة أحكام منها:
أ - الموالاة في الوضوء:
3 -اختلف الفقهاء في الموالاة في الوضوء ، فقال الحنفيّة والشّافعيّة في القول الصّحيح الجديد والحنابلة في رواية: إنّها سنَّة ، وبه قال من الصّحابة عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما ومن التّابعين الحسن وسعيد بن المسيّب والثّوري ؛ لأنّ التّفريق لا يمنع من امتثال الأمر في قوله تعالى: { فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ } الآية ، فوجب أن لا يمنع من الإجزاء ، وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه توضّأ في السوق ، فغسل وجهه ومسح رأسه ، ثمّ دعي لجنازة ليصلّي عليها حين دخل المسجد ، فمسح على خفّيه ، ثمّ صلّى عليها .
ولأنّه تفريق في تطهير فجاز كالتّفريق اليسير ، ولأنّ كلّ عبادة جاز فيها التّفريق اليسير جاز فيها التّفريق الكثير كالحجّ .
وقال المسعودي من الشّافعيّة: إنَّ الشّافعيّ جوّز في القديم تفريق الصّلاة بالعذر إذا سبقه الحدث ، فيتوضّأ ويبني ، فالطّهارة أولى .
وقال الماورديّ: إنّ الموالاة في الوضوء أفضل ومتابعة الأعضاء أكمل انقيادًا لما يقتضيه الأمر من التّعجيل ، واتّباعًا لقول الرّسول صلى الله عليه وسلم ، فإن فرّق فالتّفريق ضربان: قريب وبعيد:
فالقريب: معفو عنه لا تأثير له في الوضوء ، وحدّه ما لم تجفّ الأعضاء مع اعتدال الهواء في غير برد ولا حر مشتد ، وليس الجفاف معتبرًا وإنّما زمانه هو المعتبر ؛ ولأنّه لا يمكن الاحتراز منه .
وأمّا البعيد: فهو أن يمضي زمان الجفاف في اعتدال الهواء ، ففيه قولان: أحدهما - وهو الجديد -: أنّه جائزٌ ، والوضوء معه صحيح ، والثّاني - وهو القديم -: لا يجوز ، والوضوء معه غير صحيح .
وقال السيوطيّ: الموالاة سنّة على الأصحّ في الوضوء والغسل والتّيمم . . . وبين أشواط الطّواف والسّعي والجمع بين الصّلاتين في وقت الثّانية .
وقيل: الموالاة واجبة في كلّ ما سبق .
وقال: إنّها واجبة على الأصحّ في الجمع في وقت الأولى ، وبين طهارة دائم الحدث وصلاته، وبين كلمات الأذان والإقامة ، وبين الخطبة وصلاة الجمعة ، وتجب الموالاة قطعًا بين كلمات الفاتحة ، والتّشهد وردّ السّلام .
وقال المالكيّة ، والشّافعيّة في القول القديم ، والحنابلة في المذهب: إنّها واجبة ، وبه قال من الصّحابة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ومن الفقهاء الأوزاعي ؛ لأنّ مطلق أمر اللّه تعالى بالوضوء في قوله تعالى: { فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } ، يقتضي الفور والتّعجيل ، وذلك يمنع من التّأجيل ؛ ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم توضّأ على الولاء ثمّ قال: « هذا وضوء من لا يقبل اللّه منه صلاةً إلّا به » ، يعني بمثله في الولاء ، وروى جابر عن عمر رضي الله عنه « أنّ رجلًا توضّأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النّبي صلى الله عليه وسلم فقال:"ارجع فأحسن وضوءك"فرجع ثمّ صلّى » .
وقال الدسوقي: من غير تفريق كثير ؛ لأنّ التّفريق اليسير لا يضر مطلقًا سهوًا كان أو عجزًا أو عمدًا ، وإذا لم يضرّ التّفريق اليسير فيكره إن كان عمدًا على المعتمد ، واليسير مقدّر بعدم الجفاف .
وأمّا النّاسي والعاجز فلا تجب الموالاة في حقّهما ، وحينئذٍ إذا فرّق ناسيًا أو عاجزًا ، فإنّه يبني مطلقًا سواء طال أم لا ، لكن النّاسي يبني بنيّة جديدة ، وأمّا العاجز فلا يحتاج لتجديد نيّته .
ب - الموالاة في الغُسل:
4 -اختلف الفقهاء في الموالاة في الغُسل ، فقال جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة على الجديد المشهور والحنابلة: إنّها سنّة في الغُسل بين غسل جميع أجزاء البدن لفعله صلى الله عليه وسلم ، ولا تجب الموالاة في الغُسل ؛ لأنّ البدن شيء واحد ، وقال الشّافعيّة في وجهٍ والحنابلة: إن فاتت الموالاة قبل إتمام الغُسل بأن جفّ ما غسله من بدنه بزمان معتدل وأراد أن يتمّ غسله جدّد النّيّة لإتمامه وجوبًا لانقطاع النّيّة بفوات الموالاة ، فيقع غسل ما بقي بدون نيّة .
وقال بعض الشّافعيّة: لا يضر تفريق الغسل قطعًا بلا خلاف .
وقال بعض الحنفيّة: إن فرّقه لعذر ، بأن فرغ ماء الوضوء أو انقلب الإناء فذهب لطلب الماء وما أشبهه فلا بأس بالتّفريق على الصّحيح .