التّعريف:
1 -السّجود تقدّم بيانه ، والشّكر لغةً: هو الاعتراف بالمعروف المسدى إليك ، ونشره ، والثّناء على فاعله ، وضدّه الكفران ، قال تعالى: { وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } وحقيقة الشّكر: ظهور أثر النّعمة على اللّسان والقلب والجوارح ، بأن يكون اللّسان مقرًّا بالمعروف مثنيًا به ، ويكون القلب معترفًا بالنّعمة ، وتكون الجوارح مستعملةً فيما يرضاه المشكور .
والشّكر للّه في الاصطلاح: صرف العبد النّعم الّتي أنعم اللّه بها عليه في طاعته .
وسجود الشّكر شرعًا: هو سجدة يفعلها الإنسان عند هجوم نعمة ، أو اندفاع نقمة .
مشروعيّة سجود الشّكر:
2 -اختلف الفقهاء في مشروعيّة السّجود للشّكر ، فذهب الشّافعيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وأبو يوسف ومحمّد وعليه الفتوى ، وهو قول ابن حبيب من المالكيّة وعزاه ابن القصّار إلى مالك وصحّحه البنانيّ إلى أنّه مشروع . لما ورد من حديث أبي بكرة رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر سرور - أو: بشّر به - خرّ ساجدًا شاكرًا للّه » .
وسجد أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه حين فتح اليمامة حين جاءه خبر قتل مسيلمة الكذّاب. وسجد عليّ رضي الله عنه حين وجد ذا الثّديّة بين قتلى الخوارج ، وروي السّجود للشّكر عن جماعة من الصّحابة .
وروى أحمد في مسنده من حديث عبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنه « أنّ جبريل قال للنّبيّ صلى الله عليه وسلم: يقول اللّه تعالى: من صلّى عليك صلّيت عليه ، ومن سلّم عليك سلّمت عليه فسجد النّبيّ صلى الله عليه وسلم شكرًا للّه » . وذكر الحاكم « أنّه صلى الله عليه وسلم سجد لرؤية زمن ، وأخرى لرؤية قرد ، وأخرى لرؤية نغاشيّ » .
قال الحجّاويّ: النّغاشيّ قيل: هو ناقص الخلقة ، وقيل: هو المبتلى ، وقيل: مختلط العقل.
واستدلّوا أيضًا بحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في سجدة ص: سجدها داود توبةً ، وأسجدها شكرًا » ، وبحديث كعب بن مالك رضي الله عنه عند البخاريّ أنّه « لمّا بشّر بتوبة اللّه عليه خرّ ساجدًا » .
وذهب أبو حنيفة ومالك على المشهور عنه ، والنّخعيّ على ما حكاه عنه ابن المنذر إلى أنّ السّجود للشّكر غير مشروع .
قال البنانيّ: وجه المشهور عن مالك عمل أهل المدينة ، وذلك لما في العتبيّة أنّه قيل لمالك: إنّ أبا بكر الصّدّيق سجد في فتح اليمامة شكرًا ، قال: ما سمعت ذلك ، وأرى أنّهم كذبوا على أبي بكر ، وقد فتح اللّه على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين فما سمعت أنّ أحدًا منهم سجد .
واحتجّ ابن المنذر لأصحاب هذا القول بأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم شكا إليه رجل القحط وهو يخطب ، فرفع يديه ودعا ، فسقوا في الحال ودام المطر إلى الجمعة الأخرى ، فقال رجل يا رسول اللّه: تهدّمت البيوت وتقطّعت السّبل فادع اللّه يرفعه عنّا ، فدعا فرفعه في الحال » قال: فلم يسجد النّبيّ صلى الله عليه وسلم لتجدّد نعمة المطر أوّلًا ، ولا لرفع نقمته آخرًا . واحتجّ أيضًا بأنّ الإنسان لا يخلو من نعمة ، فإن كلّفه لزم الحرج .
الحكم التّكليفيّ:
3 -مذهب الشّافعيّة والحنابلة في حكم سجود الشّكر عند وجود سببه أنّه سنّة ، لما ورد من الأحاديث الدّالّة على أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يفعله .
وقد أفاد الزّرقانيّ - على القول بمشروعيّته عند المالكيّة - أنّه على هذا القول غير مطلوب، أي ليس مستحبًّا ، ولكنّه جائز فقط .
ومشهور مذهب المالكيّة أنّ سجود الشّكر مكروه ، وهو نصّ مالك ، والظّاهر أنّها عنده كراهة تحريم .
ومذهب أبي حنيفة الكراهة ، إلاّ أنّهم صرّحوا بما يدلّ على أنّها كراهة تنزيه ، فعبارة الفتاوى الهنديّة: سجدة الشّكر لا عبرة بها ، وهي مكروهة عند أبي حنيفة لا يثاب عليها ، وتركها أولى .
أسباب سجود الشّكر:
4 -يشرع سجود الشّكر عند من قال به لطروء نعمة ظاهرة ، كأن رزقه اللّه ولدًا بعد اليأس ، أو لاندفاع نقمة كأن شفي له مريض ، أو وجد ضالّةً ، أو نجا هو أو ماله من غرق أو حريق . أو لرؤية مبتلىً أو عاص أي شكرًا للّه تعالى على سلامته هو من مثل ذلك البلاء وتلك المعصية .
وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّه يسنّ السّجود سواء كانت النّعمة الحاصلة أو النّقمة المندفعة خاصّةً ، به أو بنحو ولده ، أو عامّةً للمسلمين ، كالنّصر على الأعداء ، أو زوال طاعون ونحوه .
وفي قول عند الحنابلة: يسجد لنعمة عامّة ولا يسجد لنعمة خاصّة ، قدّمه ابن حمدان في الرّعاية الكبرى .
ثمّ إنّه عند الشّافعيّة والحنابلة: لا يشرع السّجود لاستمرار النّعم لأنّها لا تنقطع .
ولأنّ العقلاء يهنّئون بالسّلامة من الأمر العارض ولا يفعلونه كلّ ساعة .
قال الرّمليّ: وتفوت سجدة الشّكر بطول الفصل بينها وبين سببها .
شروط سجود الشّكر:
5 -صرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّ سجود الشّكر يشترط له ما يشترط للصّلاة ، أي من الطّهارة ، واستقبال القبلة ، وستر العورة ، واجتناب النّجاسة .
وعلى هذا فمن كان فاقد الطّهورين ليس له أن يسجد للشّكر كما صرّح به الشّرقاويّ .
وعلى القول بجواز سجود الشّكر عند المالكيّة فالمشهور أنّه يفتقر إلى طهارة على ظاهر المذهب ، واختار بعض المالكيّة عدم افتقاره إلى ذلك ، قال الحطّاب: لأنّ سرّ المعنى الّذي يؤتى بالسّجود لأجله يزول لو تراخى حتّى يتطهّر .
واختار ابن تيميّة أنّه لا يشترط الطّهارة لسجود الشّكر .
كيفيّة سجود الشّكر: