التّعريف:
1 -السّعي لغةً: من سعى يسعى سعيًا: أي: قصد أو عمل أو مشى ، أو عدا .
ويستعمل كثيرًا في المشي .
ووردت المادّة في القرآن بما يفيد معنى الجدّ في المشي ، كقوله تعالى في صلاة الجمعة:
{ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } .
وقال تعالى: { وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ } .
2 -والسّعي في الاصطلاح: قطع المسافة الكائنة بين الصّفا والمروة سبع مرّات ذهابًا وإيابًا بعد طواف في نسك حجّ أو عمرة .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - الطّواف:
3 -الطّواف هو الدّوران حول الكعبة على الصّفة المعروفة . واستعمل أيضًا بمعنى السّعي في نصّ القرآن: { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } . أي: يسعى .
وفي الأحاديث كحديث جابر: « حتّى إذا كان آخر طوافه على المروة » أي: آخر سعي النّبيّ صلى الله عليه وسلم . وتقدّم الطّواف شرط لصحّة السّعي . أصل السّعي:
4 -الأصل في مشروعيّة السّعي الكتاب والسّنّة . أمّا الكتاب فقوله تعالى: { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ } الآية .
وأمّا السّنّة فما ورد من « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سعى في حجّه بين الصّفا والمروة وقال: اسعوا فإنّ اللّه كتب عليكم السّعي » .
وقد وضعت الشّريعة السّعي على مثال « سعي السّيّدة هاجر عندما سعت بينهما سبع مرّات لطلب الماء لابنها » كما في حديث البخاريّ عن ابن عبّاس مرفوعًا ، وفي آخره قال ابن عبّاس: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « فذلك سعي النّاس بينهما » .
الحكم التّكليفيّ:
5 -ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في المعتمد عندهم إلى أنّ السّعي ركن من أركان الحجّ والعمرة ، لا يصحّان بدونه . وهو قول عائشة وعروة بن الزّبير .
وذهب الحنفيّة والحنابلة في رواية إلى أنّ السّعي واجب في الحجّ والعمرة ، وليس بركن فيهما ، فمن تركه لغير عذر وجب عليه الدّم ، وإن تركه لعذر فلا شيء عليه ، وهو مرويّ عن الحسن البصريّ وسفيان الثّوريّ .
وروي عن أحمد بن حنبل أنّه سنّة لا يجب بتركه دم ، وروي ذلك عن ابن عبّاس وأنس ، وابن الزّبير وابن سيرين .
وسبب الخلاف أنّ الآية الكريمة: { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ ... } لم تصرّح بحكم السّعي ، فآل الحكم إلى الاستدلال بالسّنّة وبحديث: « اسعوا فإنّ اللّه كتب عليكم السّعي » . وفي الصّحيحين عن « أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه قال: قدمت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو بالبطحاء فقال: بما أهللت ؟ قلت: أهللت بإهلال النّبيّ صلى الله عليه وسلم . قال: هل سقت من هدي ؟ قلت: لا قال: فطف بالبيت وبالصّفا والمروة ، ثمّ حلّ » . فاستدلّ بذلك المالكيّة والشّافعيّة ومن وافقهم على الفرضيّة ، لأنّ"كتب"بمعنى فرض ، ولأنّه صلى الله عليه وسلم أمر أبا موسى بالسّعي ورتّب عليه الحلّ فيكون فرضًا .
واستدلّ به الحنفيّة على الوجوب ، لأنّه كما قال الكمال بن الهمام:"مثله لا يزيد على إفادة الوجوب ، وقد قلنا به . أمّا الرّكن فإنّما يثبت عندنا بدليل مقطوع به . فإثباته بهذا الحديث إثبات بغير دليل". يعني بغير دليل يصلح لإثبات الرّكنيّة . واستدلّ للقول بالسّنّيّة بقوله تعالى: { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } . ونفي الحرج عن فاعله دليل على عدم وجوبه ، فإنّ هذا رتبة المباح ، وإنّما تثبت سنّيّته بقوله تعالى: { مِن شَعَآئِرِ اللّهِ } .
صفة السّعي:
6 -بعد انتهاء الحاجّ أو المعتمر من الطّواف يتوجّه إلى الصّفا ليبدأ السّعي منها ، فيرقى على الصّفا ، ويستقبل الكعبة المشرّفة ، ويوحّد اللّه ويكبّره ، ويأتي بالذّكر الوارد ، ثمّ يسير متوجّهًا إلى المروة ، فإذا حاذى الميلين"العمودين"الأخضرين اللّذين في جدار المسعى اشتدّ وأسرع ما استطاع ، وهكذا إلى العمودين التّاليين الأخضرين ، ثمّ يمشي المشي المعتاد حتّى يصل إلى المروة فيصعد عليها . ويوحّد ويكبّر كما فعل على الصّفا ، وهذا شوط واحد . ثمّ يشرع في الشّوط الثّاني فيتوجّه من المروة إلى الصّفا ، حتّى إذا حاذى العمودين الأخضرين اشتدّ وأسرع كثيرًا حتّى يصل إلى العمودين التّاليين ، ثمّ يمشي المشي المعتاد ، إلى أن يصل إلى الصّفا فيرقى عليها ، ويستقبل الكعبة ، ويوحّد اللّه ويكبّره ، يدعو كما فعل أوّلًا ، وهذا شوط ثان ، ثمّ يعود إلى المروة وهكذا حتّى يعدّ سبعة أشواط ينتهي آخرها عند المروة . فإن كان معتمرًا فقط أو متمتّعًا بالعمرة إلى الحجّ ، فقد قضى عمرته ويحلق أو يقصّر ، ويتحلّل التّحلّل الكامل . وإن كان مفردًا للحجّ أو قارنًا فلا يحلق ولا يقصّر ، بل يظلّ محرمًا ، حتّى يتحلّل بأعمال يوم النّحر . ( ر: إحرام ف /123 - 126 وحجّ ،ف /82 ) .
ركن السّعي:
7 -ذهب الجمهور إلى أنّ السّعي ركن في الحجّ أو العمرة ، قالوا: إنّ القدر الّذي لا يتحقّق السّعي بدونه: سبعة أشواط يقطعها بين الصّفا والمروة ، لفعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولإجماع الأمّة سلفًا فخلفًا على السّعي كذلك .