الإمامة الصّغرى
التّعريف:
1 -الإمامة في اللّغة: مصدر أمّ يؤمّ ، وأصل معناها القصد ، ويأتي بمعنى التّقدّم ، يقال: أمّهم وأمّ بهم: إذا تقدّمهم .
وفي اصطلاح الفقهاء تطلق الإمامة على معنيين: الإمامة الصّغرى ، والإمامة الكبرى . ويعرّفون الإمامة الكبرى بأنّها: استحقاق تصرّفٍ عامٍّ على الأنام ( أي النّاس ) ، وهي رئاسة عامّة في الدّين والدّنيا خلافةً عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم . ( ر: إمامة كبرى ) . أمّا الإمامة الصّغرى ( وهي إمامة الصّلاة ) فهي ارتباط صلاة المصلّي بمصلٍّ آخر بشروطٍ بيّنها الشّرع . فالإمام لم يصر إمامًا إلاّ إذا ربط المقتدي صلاته بصلاته ، وهذا الارتباط هو حقيقة الإمامة ، وهو غاية الاقتداء .
وعرّفها بعضهم بأنّها: كون الإمام متّبعًا في صلاته كلّها أو جزءٍ منها .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - القدوة:
2 -القدوة اسم للاقتداء أي: الاتّباع ، ويطلق على الشّخص المتبوع ، يقال: فلان قدوة أي يقتدى به .
ب - الاقتداء والتّأسّي:
3 -الاقتداء والتّأسّي كلّ منهما بمعنى الاتّباع ، سواء كان ذلك في صلاةٍ أو غيرها ، فالمأموم يقتدي بالإمام ويتأسّى به ، فيعمل مثل عمله ، ويطلق على المقتدى به أنّه قدوة وأسوة .
مشروعيّة الإمامة وفضلها:
4 -إمامة الصّلاة تعتبر من خير الأعمال الّتي يتولّاها خير النّاس ذوو الصّفات الفاضلة من العلم والقراءة والعدالة وغيرها كما سيأتي ، ولا تتصوّر صلاة الجماعة إلاّ بها .
وصلاة الجماعة من شعائر الإسلام ، ومن السّنن المؤكّدة الّتي تشبه الواجب في القوّة عند أكثر الفقهاء ، وصرّح بعضهم بوجوبها ، وتفصيله في مصطلح: ( صلاة الجماعة ) .
وقد صرّح جمهور الفقهاء ، ومنهم الحنفيّة ، وبعض المالكيّة ، وهو رواية في مذهب أحمد: بأنّ الإمامة أفضل من الأذان والإقامة ، لمواظبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم والخلفاء الرّاشدين عليها ، ولهذا أمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقوم بها أعلم النّاس وأقرؤهم ، كما روي في حديث أبي سعيدٍ الخدريّ . قال: « قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: إذا كانوا ثلاثةً فليؤمّهم أحدهم ، وأحقّهم أقرؤهم » .
ولمّا مرض النّبيّ عليه السلام اختار أفضل الصّحابة للإمامة حيث قال: « مروا أبا بكرٍ فليصلّ بالنّاس » ، ففهم الصّحابة من تقديمه في الإمامة الصّغرى استحقاقه الإمامة الكبرى . وفي قولٍ آخر: الأذان أفضل ، وهو قول بعض المالكيّة ، ومذهب الشّافعيّ ، ورواية في مذهب أحمد ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « الإمام ضامن والمؤذّن مؤتمن ، اللّهمّ أرشد الأئمّة واغفر للمؤذّنين » والأمانة أعلى من الضّمان ، والمغفرة أعلى من الإرشاد . وقال عمر رضي الله عنه:"لولا الخلافة لأذّنت".
شروط الإمامة:
يشترط لصحّة الإمامة الأمور التّالية:
أ - الإسلام:
5 -اتّفق الفقهاء على أنّه يشترط في الإمام أن يكون مسلمًا . وعلى هذا لا تصحّ الصّلاة خلف من هو كافر يعلن كفره ، أمّا إذا صلّى خلف من لا يعلم كفره ، ثمّ تبيّن أنّه كافر ، فإنّ الحنفيّة والحنابلة قالوا: إذا أمّهم زمانًا على أنّه مسلم ، ثمّ ظهر أنّه كان كافرًا ، فليس عليهم إعادة الصّلاة ، لأنّها كانت محكومًا بصحّتها ، وخبره غير مقبولٍ في الدّيانات لفسقه باعترافه .
وقال الشّافعيّة: لو بان إمامه كافرًا معلنًا ، وقيل: أو مخفيًا ، وجبت الإعادة ، لأنّ المأموم مقصّر بترك البحث . وقال الشّربينيّ: إنّ الأصحّ عدم وجوب الإعادة إذا كان الإمام مخفيًا كفره . ومثله مذهب المالكيّة حيث قالوا: تبطل الصّلاة بالاقتداء بمن كان كافرًا ، سواء أكانت سرّيّةً أم جهريّةً ، وسواء أطالت مدّة صلاته إمامًا بالنّاس أم لا . وصرّح الحنابلة ، وهو رواية عند المالكيّة ، بعدم جواز إمامة الفاسق ، وهو الّذي أتى بكبيرةٍ كشارب خمرٍ وزانٍ وآكل الرّبا ، أو داوم على صغيرةٍ . لكنّ الحنفيّة والشّافعيّة ذهبوا إلى جواز إمامة الفاسق مع الكراهة ، وهذا هو المعتمد عند المالكيّة إذا لم يتعلّق فسقه بالصّلاة ، وإلاّ بطلت عندهم كقصده الكبر بالإمامة ، وإخلاله بركنٍ أو شرطٍ أو سنّةٍ عمدًا . وفي صلاة الجمعة والعيدين جاز إمامة الفاسق بغير كراهةٍ ، مع تفصيلٍ ينظر في مواضعه .
ب - العقل:
6 -يشترط في الإمام أن يكون عاقلًا ، وهذا الشّرط أيضًا متّفق عليه بين الفقهاء ، فلا تصحّ إمامة السّكران ، ولا إمامة المجنون المطبق ، ولا إمامة المجنون غير المطبق حال جنونه ، وذلك لعدم صحّة صلاتهم لأنفسهم فلا تبنى عليها صلاة غيرهم .
أمّا الّذي يجنّ ويفيق ، فتصحّ إمامته حال إفاقته .
ت - البلوغ:
7 -جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة - على أنّه يشترط لصحّة الإمامة في صلاة الفرض أن يكون الإمام بالغًا ، فلا تصحّ إمامة مميّزٍ لبالغٍ في فرضٍ عندهم ، لما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « لا تقدّموا صبيانكم » ، ولأنّها حال كمالٍ والصّبيّ ليس من أهلها ، ولأنّ الإمام ضامن وليس هو من أهل الضّمان ، ولأنّه لا يؤمن معه الإخلال بالقراءة حال السّرّ . واستدلّوا كذلك على عدم صحّة إمامة الصّبيّ للبالغ في الفرض أنّ صلاة الصّبيّ نافلة فلا يجوز بناء الفرض عليها .