التّعريف:
1 -رفع الحرج: مركّب إضافيّ ، تتوقّف معرفته على معرفةٍ لفظيّةٍ ، فالرّفع لغةً: نقيض الخفض في كلّ شيءٍ ، والتّبليغ ، والحمل ، وتقريبك الشّيء ، والأصل في مادّة الرّفع العلوّ، يقال: ارتفع الشّيء ارتفاعًا إذا علا ، ويأتي بمعنى الإزالة . يقال: رفع الشّيء: إذا أزيل عن موضعه .
قال في المصباح المنير: الرّفع في الأجسام حقيقة في الحركة والانتقال ، وفي المعاني محمول على ما يقتضيه المقام ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: » رفع القلم عن ثلاثةٍ « والقلم لم يوضع على الصّغير ، وإنّما معناه لا تكليف ، فلا مؤاخذة .
والحرج في اللّغة: المكان الضّيّق الكثير الشّجر ، والضّيق والإثم ، والحرام ، والأصل فيه الضّيق .
قال ابن الأثير: الحرج في الأصل: الضّيق ، ويقع على الإثم والحرام . تقول رجل حَرَج وحَرِج إذا كان ضيّق الصّدر .
وقال الزّجّاج: الحرج في اللّغة أضيق الضّيّق ، ومعناه أنّه ضيّق جدًّا .
فرفع الحرج في اللّغة: إزالة الضّيق ، ونفيه عن موضعه .
ثمّ إنّ معنى الرّفع في الاصطلاح لا يخرج عن معناه اللّغويّ .
والحرج في الاصطلاح ما فيه مشقّة وضيق فوق المعتاد ، فهو أخصّ من معناه اللّغويّ . ورفع الحرج: إزالة ما في التّكليف الشّاقّ من المشقّة برفع التّكليف من أصله أو بتخفيفه أو بالتّخيير فيه ، أو بأن يجعل له مخرج ، كما سبق في الموسوعة في مصطلح ( تيسير ) . فالحرج والمشقّة مترادفان ، ورفع الحرج لا يكون إلاّ بعد الشّدّة خلافًا للتّيسير .
والفقهاء والأصوليّون قد يطلقون عليه أيضًا:"دفع الحرج"و"نفي الحرج".
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - التّيسير:
2 -التّيسير: السّهولة والسّعة ، وهو مصدر يسّر ، واليسر ضدّ العسر ، وفي الحديث: » إنّ الدّين يسر « أي أنّه سهل سمح قليل التّشديد ، والتّيسير يكون في الخير والشّرّ ، وفي التّنزيل العزيز قوله: { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } .
وقوله: { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } .
ولا يخرج معناه الاصطلاحيّ عن معناه اللّغويّ .
والنّسبة بين التّيسير ورفع الحرج أنّ رفع الحرج لا يكون إلاّ بعد شدّةٍ .
ب - الرّخصة:
3 -الرّخصة: التّسهيل في الأمر والتّيسير ، يقال: رخّص الشّرع لنا في كذا ترخيصًا وأرخص إرخاصًا إذا يسّره وسهّله .
ورخّص له في الأمر: أذن له فيه بعد النّهي عنه ، وترخيص اللّه للعبد في أشياء: تخفيفها عنه ، والرّخصة في الأمر وهو خلاف التّشديد .
فالرّخصة فسحة في مقابلة التّضييق والحرج .
ج - الضّرر:
4 -الضّرر في اللّغة ضدّ النّفع ، وهو النّقصان يدخل في الشّيء ، فالضّرر قد يكون أثرًا من آثار عدم رفع الحرج .
رفع الحرج من مقاصد الشّريعة:
5 -رفع الحرج مقصد من مقاصد الشّريعة وأصل من أصولها ، فإنّ الشّارع لم يقصد إلى التّكليف بالشّاقّ والإعنات فيه ، وقد دلّ على ذلك الكتاب والسّنّة وانعقد الإجماع على ذلك . فمن الكتاب قوله تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } .
وقوله تعالى: { لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } .
وقوله تعالى: { مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ } .
وقوله تعالى: { يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} .
وقوله تعالى: { يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا } .
ومن السّنّة قول النّبيّ: » بعثت بالحنيفيّة السّمحة « .
وحديث عائشة: » ما خُيّر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا « .
وانعقد الإجماع على عدم وقوع الحرج في التّكليف ، وهو يدلّ على عدم قصد الشّارع إليه ، ولو كان واقعًا لحصل في الشّريعة التّناقض والاختلاف ، وذلك منفيّ عنها ، فإنّه إذا كان وضع الشّريعة على قصد الإعنات والمشقّة ، وقد ثبت أنّها موضوعة على قصد الرّفق والتّيسير ، كان الجمع بينهما تناقضًا واختلافًا ، وهي منزّهة عن ذلك .
ثمّ ما ثبت أيضًا من مشروعيّة الرّخص ، وهو أمر متطوّع به ، وممّا علم من دين الأمّة بالضّرورة ، كرخص القصر ، والفطر ، والجمع ، وتناول المحرّمات في الاضطرار . فإنّ هذا نمط يدلّ قطعًا على مطلق رفع الحرج والمشقّة .
وكذلك ما جاء من النّهي عن التّعمّق والتّكلّف في الانقطاع عن دوام الأعمال .
ولو كان الشّارع قاصدًا للمشقّة في التّكليف لما كان ثمّ ترخيص ولا تخفيف ، ولأجل ذلك لم يجب شيء من الأحكام على الصّبيّ العاقل لقصور البدن ، أو لقصوره وقصور العقل ، ولا على المعتوه البالغ لقصور العقل .
ولم يجب قضاء الصّلاة في الحيض والنّفاس ، وانتفى الإثم في خطأ المجتهد ، وكذا في النّسيان والإكراه .
قال الشّاطبيّ: إنّ الأدلّة على رفع الحرج في هذه الأمّة بلغت مبلغ القطع .
أقسام الحرج:
ينقسم الحرج من حيث الجملة إلى قسمين:
6 -الأوّل: حقيقيٌّ ، وهو ما كان له سبب معيّن واقع ، أو ما تحقّق بوجوده مشقّة خارجة عن المعتاد كحرج السّفر والمرض .
الثّاني: توهّميٌّ ، وهو ما لم يوجد السّبب المرخّص لأجله ، ولم تكن مشقّة خارجة عن المعتاد على وجهٍ محقّقٍ .
والقسم الأوّل هو المعتبر بالرّفع والتّخفيف ، لأنّ الأحكام لا تبنى على الأوهام ، والحرج الحقيقيّ ينقسم من حيث وقت تحقّقه إلى قسمين: