التّعريف:
1 -التّشبّه لغة: مصدر تشبّه ، يقال: تشبّه فلان: بفلان إذا تكلّف أن يكون مثله والمشابهة بين الشّيئين: الاشتراك بينهما في معنى من المعاني ، ومنه: أشبه الولد أباه: إذا شاركه في صفة من صفاته . ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة:
2 -منها: الاتّباع والتّأسّي والتّقليد وقد تقدّم الكلام فيها تحت عنوان: ( اتّباع ) .
3 -ومنها: الموافقة ، وهي: مشاركة أحد الشّخصين للآخر في صورة قول أو فعل أو ترك أو اعتقاد أو غير ذلك ، سواء أكان ذلك من أجل ذلك الآخر أم لا لأجله .
فالموافقة أعمّ من التّشبّه .
الأحكام المتعلّقة بالتّشبّه:
أوّلًا - التّشبّه بالكفّار في اللّباس:
4 -ذهب الحنفيّة على الصّحيح عندهم ، والمِالكيّة على المذهب ، وجمهور الشّافعيّة إلى: أنّ التّشبّه بالكفّار في اللّباس - الّذي هو شعار لهم به يتميّزون عن المسلمين - يحكم بكفر فاعله ظاهرا ، أي في أحكام الدّنيا ، فمن وضع قلنسوة المجوس على رأسه يكفر ، إلا إذا فعله لضرورة الإكراه أو لدفع الحرّ أو البرد . وكذا إذا لبس زنّار النّصارى إلّا إذا فعل ذلك خديعة في الحرب وطليعة للمسلمين . أو نحو ذلك لحديث: « من تَشَبَّه بقوم فهو منهم » لأنّ اللّباس الخاصّ بالكفّار علامة الكفر ، ولا يلبسه إلّا من التزم الكفر ، والاستدلال بالعلامة والحكم بما دلّت عليه مقرّر في العقل والشّرع . فلو علم أنّه شدّ الزّنّار لا لاعتقاد حقيقة الكفر ، بل لدخول دار الحرب لتخليص الأسارى مثلا لم يحكم بكفره .
ويرى الحنفيّة في قول - وهو ما يؤخذ ممّا ذكره ابن الشّاطّ من المالكيّة - أنّ من يتشبّه بالكافر في الملبوس الخاصّ به لا يعتبر كافرًا ، إلا أن يعتقد معتقدهم ، لأنّه موحّد بلسانه مصدّق بجنانه . وقد قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: لا يخرج أحد من الإيمان إلّا من الباب الّذي دخل فيه ، والدّخول بالإقرار والتّصديق ، وهما قائمان .
وذهب الحنابلة إلى حرمة التّشبّه بالكفّار في اللّباس الّذي هو شعار لهم . قال البهوتيّ: إن تزيّا مسلم بما صار شعارا لأهل ذمّة ، أو علّق صليبا بصدره حرم ، ولم يكفر بذلك كسائر المعاصي . ويرى النّوويّ من الشّافعيّة أنّ من لبس الزّنّار ونحوه لا يكفر إذا لم تكن نيّة .
أحوال تحريم التّشبّه:
وبتتبع عبارات الفقهاء يتبين أنهم يقيدون كفر من يتشبه بالكفار في اللباس الخاص بهم بقيود منها:
5 -أن يفعله في بلاد الإسلام ، قال أحمد الرّمليّ: كون التّزيّي بزيّ الكفّار ردّة محلّه إذا كان في دار الإسلام . أمّا في دار الحرب فلا يمكن القول بكونه ردّة ، لاحتمال أنّه لم يجد غيره كما هو الغالب ، أو أن يكره على ذلك .
قال ابن تيميّة: لو أنّ المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم ( للكفّار ) في الهدي الظّاهر ، لما عليه في ذلك من الضّرر بل قد يستحبّ للرّجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظّاهر ، إذا كان في ذلك مصلحة دينيّة ، من دعوتهم إلى الدّين والاطّلاع على باطن أمورهم لإخبار المسلمين بذلك ، أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الحسنة . فأمّا في دار الإسلام والهجرة الّتي أعزّ اللّه فيها دينه ، وجعل على الكافرين فيها الصّغار والجزية ففيها شرعت المخالفة .
6 -أن يكون التّشبّه لغير ضرورة ، فمن فعل ذلك للضّرورة لا يكفر ، فمن شدّ على وسطه زنّارًا ودخل دار الحرب لتخليص الأسرى ، أو فعل ذلك خديعة في الحرب وطليعة للمسلمين لا يكفر . وكذلك إن وضع قلنسوة المجوس على رأسه لضرورة دفع الحرّ والبرد لا يكفر . 7 - أن يكون التّشبّه فيما يختصّ بالكافر ، كبرنيطة النّصرانيّ وطرطور اليهوديّ .
ويشترط المالكيّة لتحقّق الرّدّة بجانب ذلك:أن يكون المتشبّه قد سعى بذلك للكنيسة ونحوها.
8 -أن يكون التّشبّه في الوقت الّذي يكون اللّباس المعيّن شعارا للكفّار ، وقد أورد ابن حجر حديث أنس رضي الله عنه أنّه رأى قومًا عليهم الطّيالسة ، فقال:"كأنّهم يهود خيبر"ثمّ قال ابن حجر: وإنّما يصلح الاستدلال بقصّة اليهود في الوقت الّذي تكون الطّيالسة من شعارهم ، وقد ارتفع ذلك فيما بعد ، فصار داخلا في عموم المباح .
9 -أن يكون التّشبّه ميلا للكفر ، فمن تشبّه على وجه اللّعب والسّخرية لم يرتدّ ، بل يكون فاسقا يستحقّ العقوبة ، وهذا عند المالكيّة .
10 -هذا ، والتّشبّه في غير المذموم وفيما لم يقصد به التّشبّه لا بأس به .
قال صاحب الدّرّ المختار: إنّ التّشبّه بأهل الكتاب لا يكره في كلّ شيء ، بل في المذموم وفيما يقصد به التّشبّه . قال هشام: رأيت أبا يوسف لابسًا نعلين مخصوفين بمسامير فقلت أترى بهذا الحديد بأسا ؟ قال: لا ، قلت: سفيان وثور بن يزيد كرها ذلك لأنّ فيه تشبّها بالرّهبان ، فقال: « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يلبس النّعال الّتي لها شعر وإنّها من لباس الرّهبان » .
فقد أشار إلى أنّ صورة المشابهة فيما تعلّق به صلاح العباد لا يضرّ ، فإنّ الأرض ممّا لا يمكن قطع المسافة البعيدة فيها إلّا بهذا النّوع . وللتّفصيل ر: ( ردّة ، كفر ) .
ثانيًا - التّشبّه بالكفّار في أعيادهم: