التّعريف
1 -الرّوث لغةً: رجيع ( فضلة ) ذي الحافر ، واحده روثة والجمع أرواث . ويستعمل الفقهاء هذا اللّفظ بأوسع من ذلك فيطلق عندهم على رجيع ذي الحافر وغيره كالإبل والغنم . وقريب منه الخثي ، والخثي للبقر ، والبعر للإبل والغنم ، والذّرق للطّيور . والعذرة للآدميّ ، والخرء للطّير والكلب والجرذ والإنسان . والسّرجين أو السّرقين هو رجيع ما سوى الإنسان .
حكم الرّوث من حيث الطّهارة والنّجاسة:
2 -يرى المالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في وجهٍ أنّ روث ما يؤكل لحمه طاهر . وبهذا قال عطاء والنّخعيّ والثّوريّ ، واستدلّوا بما روي { أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصلّي في مرابض الغنم . وقال: صلّوا في مرابض الغنم } . وصلّى أبو موسى في موضعٍ فيه أبعار الغنم فقيل له: لو تقدّمت إلى هاهنا . قال: هذا وذاك واحد . ولم يكن للنّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما يصلّون عليه من الأوطئة والمصلّيات وإنّما كانوا يصلّون على الأرض ، ومرابض الغنم لا تخلو من أبعارها وأبوالها ; ولأنّه متحلّل معتاد من حيوانٍ يؤكل لحمه فكان طاهرًا . أمّا روث غير مأكول اللّحم فنجس عند هؤلاء الفقهاء ، وقد صرّح المالكيّة بنجاسة روث مكروه الأكل كمحرّمه وإن لم يستعمل النّجاسة . وقال الحنفيّة والشّافعيّة - على المذهب - بنجاسة الرّوث من جميع الحيوانات المأكول اللّحم وغيرها .
ثمّ اختلف الفقهاء في صفة نجاسة الأرواث: فعند أبي حنيفة هي نجسة نجاسةً غليظةً ، وعند أبي يوسف ومحمّدٍ نجاسةً خفيفةً . وذكر الكرخيّ أنّ النّجاسة الغليظة عند أبي حنيفة ما ورد نصّ يدلّ على نجاسته ، ولم يرد نصّ معارض له يدلّ على طهارته ، وإن اختلف العلماء فيه . والخفيفة ما تعارض نصّان في طهارته ونجاسته . وعند أبي يوسف ومحمّدٍ الغليظة ما وقع الاتّفاق على نجاسته . والخفيفة ما اختلف العلماء في نجاسته وطهارته .
3 -بناءً على هذا الأصل فالأرواث كلّها نجسة نجاسةً غليظةً عند أبي حنيفة لأنّه ورد نصّ يدلّ على نجاستها وهو حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: { إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم طلب منه أحجار الاستنجاء فأتى بحجرين وروثةٍ فأخذ الحجرين ورمى بالرّوثة وقال: هذا ركس } أي: نجس . وليس له نصّ معارض ، وإنّما قال بعض العلماء بطهارتها بالرّأي والاجتهاد ، والاجتهاد لا يعارض النّصّ فكانت نجاستها غليظةً . وعلى قول الصّاحبين نجاسة ما يؤكل لحمه خفيفة لأنّ العلماء اختلفوا فيها . كما أنّ في الأرواث ضرورةً ، وعموم البليّة لكثرتها في الطّرقات فتتعذّر صيانة الخفاف والنّعال عنها ، وما عمّت بليّته خفّت قضيّته . ويتفرّع عن اختلاف الأصلين أنّه إذا أصاب الثّوب من الرّوث أكثر من قدر درهمٍ لم تجز الصّلاة فيه عند أبي حنيفة . وقال الصّاحبان: يجزئه حتّى يفحش ، ولا فرق عندهما بين المأكول وغير المأكول . وفي كلّ ما يعتبر فيه الفاحش فهو مقدّر بالرّبع في قول محمّدٍ وهو رواية عن أبي حنيفة . وقال أبو يوسف: شبر في شبرٍ . وفي رواية ذراع في ذراعٍ . وروي عن محمّدٍ في الرّوث أنّه لا يمنع جواز الصّلاة وإن كان كثيرًا فاحشًا . وقيل: إنّ هذا آخر أقاويله حين كان بالرّيّ وكان الخليفة بها ، فرأى الطّرق والخانات مملوءةً من الأرواث وللنّاس فيها بلوًى عظيمة . وعند المالكيّة يعفى عمّا أصاب الخفّ والنّعل من أرواث الدّوابّ وأبوالها في الطّرق والأماكن الّتي تطرقها الدّوابّ كثيرًا ; لعسر الاحتراز من ذلك ، بخلاف ما أصاب غير الخفّ والنّعل كالثّوب والبدن فلا عفو . أمّا الشّافعيّة فنجاسة الرّوث عندهم لا يعفى عنها إلاّ إذا كانت ممّا لا يدركه الطّرف فيعفى عنها في قولٍ . وعند الإمام أحمد يعفى عن يسير فضلات سباع البهائم وجوارح الطّير والبغل والحمار . وظاهر مذهب أحمد أنّ اليسير ما لا يفحش في القلب . وهو قول ابن عبّاسٍ . وقال ابن أبي ليلى: السّرقين ليس بشيءٍ ، قليله وكثيره لا يمنع الصّلاة ; لأنّه وقود أهل الحرمين ولو كان نجسًا لما استعملوه ، كما لم يستعملوا العذرة . ولتفصيل ذلك انظر مصطلح: ( نجاسة ) .
الاستنجاء بالرّوث:
4 -ذهب الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة في قولٍ والثّوريّ وإسحاق إلى عدم جواز الاستنجاء بالرّوث طاهرًا كان أو غير طاهرٍ . واستدلّ هذا الفريق من الفقهاء على ما ذهبوا إليه بما يأتي:
1 -حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: { اتّبعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وخرج لحاجته فقال: ابغني أحجارًا أستنفض بها أو نحوه ولا تأتني بعظمٍ ولا روثٍ } .
2 -حديث سلمان رضي الله عنه قال: { نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الرّوث والعظام } . ولأنّ الرّوث نجس في نفسه عند من قال بنجاسته والنّجس لا يزيل النّجاسة . وقال المالكيّة: لا يجوز الاستنجاء بالرّوث النّجس ويجوز بالطّاهر منه مع الكراهة ; لأنّ الرّوث طعام دوابّ الجنّ يرجع علفًا كما كان عليه . ويرى الحنفيّة كراهة الاستنجاء بالرّوث لأنّ النّصّ الوارد في الاستنجاء بالأحجار معلول بمعنى الطّهارة ، وقد حصلت بالرّوث كما تحصل بالأحجار ، إلاّ أنّه كرهه بالرّوث لما فيه من استعمال النّجس وإفساد علف دوابّ الجنّ .