الخلاصة في أحكام الاستتار
وفي الموسوعة الفقهية:
التّعريف
1 -الاستتار في اللّغة: التّغطّي والاختفاء . يقال: استتر وتستّر أي تغطّى ، وجاريةٌ مستترةٌ أي مخدّرةٌ . وقد استعمله الفقهاء بهذا المعنى ، كما استعملوه بمعنى اتّخاذ السّترة في الصّلاة . والسّترة ( بالضّمّ ) هي في الأصل: ما يستتر به مطلقًا ، ثمّ غلب في الاستعمال الفقهيّ على: ما ينصب أمام المصلّي ، من عصًا أو تسنيم ترابٍ أي تكويمه ونحوه ، لمنع المرور أمامه . ويسمّى ستر الصّدقة إخفاؤها .
صفته: الحكم التّكليفيّ:
2 -يختلف حكم الاستتار تبعًا للأحوال والأفعال الّتي يكون فيها ، على ما سيأتي: الاستتار ( بمعنى اتّخاذ المصلّي سترةً ) 3 - اتّخاذ السّترة للمصلّي مشروعٌ اتّفاقًا ؛ لحديث: « ليستتر أحدكم ولو بسهمٍ » . ثمّ اختلف الفقهاء في حكمه بين الوجوب والسّنّة أو الاستحباب ، على تفصيلٍ موطنه مصطلح: ( سترة المصلّي ) .
الاستتار حين الجماع:
4 -يشمل الاستتار هنا أمرين: الأوّل: الاستتار عن أعين النّاس حين الوطء . الثّاني: عدم التّجرّد حين الوطء .
أمّا الأوّل: فإمّا أن يكون الوطء في حالة انكشاف العورة ، أو في حالة عدم انكشافها . ففي حالة انكشاف العورة انعقد الإجماع على فرضيّة الاستتار ، أمّا في حالة عدم ظهور شيءٍ من العورة فقد اتّفق الفقهاء على أنّ الاستتار سنّةٌ . وأنّ من يتهاون فيه فقد خالف السّنّة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: « إذا أتى أحدكم أهله فليستتر » . وحملوا الأمر على النّدب ولما في ذلك من الدّناءة والإخلال بالمروءة .
وأمّا الثّاني: ( عدم التّجرّد حين الجماع ) وإن لم يكن معهما أحدٌ يطّلع عليهما ، فقد اختلف الفقهاء فيه ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه يجوز للرّجل أن يجرّد زوجته للجماع ، وقيّده الحنفيّة بكون البيت صغيرًا ، ويستدلّ لذلك بحديث بهز بن حكيمٍ عن أبيه عن جدّه قال: « قلت: يا رسول اللّه عوراتنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قال احفظ عورتك إلاّ من زوجتك ، أو ما ملكت يمينك ، قلت: يا رسول اللّه ، أرأيت إن كان القوم بعضهم من بعضٍ ؟ قال: إن استطعت ألاّ تريها أحدًا فلا ترينّها . قلت يا رسول اللّه ، فإن كان أحدنا خاليًا ، قال: فاللّه أحقّ أن يستحيا منه من النّاس » وبحديث عبد اللّه بن عمر قال: « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: إيّاكم والتّعرّي ، فإنّ معكم من لا يفارقكم إلاّ عند الغائط ، وحين يفضي الرّجل إلى أهله ، فاستحيوهم وأكرموهم » . وذهب الحنابلة إلى أنّه يكره ، لحديث عتبة بن عبدٍ السّلميّ ، قال: « قال رسول اللّه: إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ، ولا يتجرّدا تجرّد العيرين » .
ما يخلّ بالاستتار:
5 -أ - يخلّ بالاستتار وجود شخصٍ مميّزٍ مستيقظٍ معهما في البيت ، سواءٌ أكان زوجةً ، أم سرّيّةً ، أم غيرهما ، يرى أو يسمع الحسّ ، وبه قال الجمهور ، وقد سئل الحسن البصريّ عن الرّجل يكون له امرأتان في بيتٍ ، قال: كانوا يكرهون أن يطأ إحداهما والأخرى ترى أو تسمع .
ب - ويخلّ بالاستتار وجود نائمٍ ، نصّ على ذلك المالكيّة ، فقال الرّهونيّ في حاشيته على شرح الزّرقانيّ لمتن خليلٍ: لا يجوز للرّجل أن يصيب زوجته أو أمته ومعه في البيت أحدٌ يقظان أو نائمٌ ، لأنّ النّائم قد يستيقظ فيراهما على تلك الحال .
ج - ويخلّ بالاستتار عند جمهور المالكيّة وجود صغيرٍ غير مميّزٍ ، اتّباعًا لابن عمر الّذي كان يخرج الصّبيّ في المهد عندما يريد الجماع . وذهب الجمهور - ومنهم بعض المالكيّة - إلى أنّ وجود غير المميّز لا يخلّ بالاستتار ؛ لما فيه من مشقّةٍ وحرجٍ .
الآثار المرتّبة على ترك الاستتار في الجماع:
6 -من حقّ المرأة الامتناع عن إجابة طلب زوجها إلى فراشه ، إن كان ممّن لا يستتر عن النّاس حين الجماع ، ولا تصير ناشزًا بهذا الامتناع ؛ لأنّه امتناعٌ بحقٍّ ؛ ولأنّ الحياء والمروءة يأبيان ذلك ، نصّ على ذلك الحنفيّة ، والشّافعيّة ، وقواعد المالكيّة والحنابلة لا تأباه .
الاستتار عند قضاء الحاجة:
7 -يشمل هذا أمرين: الاستتار عن النّاس ، والاستتار عن القبلة إن كان خارج البنيان . أمّا الأوّل ، فالأصل وجوب ستر العورة عند قضاء الحاجة ، بحضور من لا يحلّ له النّظر إليها ، وتفصيله في مصطلح ( عورةٌ ) ، كما أنّه يسنّ عند بعض الفقهاء استتار شخص الإنسان عند إرادة الغائط .
وأمّا الاستتار عن القبلة بساترٍ فإنّ بعض الفقهاء يرى جواز استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة ، إن استتر عن القبلة بساترٍ . ويرى بعضهم تحريم استقبال القبلة واستدبارها مطلقًا ، وتفصيل ما يتّصل بالاستتار عن القبلة في مصطلح: ( قضاء الحاجة ) .
الاستتار حين الاغتسال:
أ - وجوب الاستتار عمّن لا يحلّ له النّظر إليه:
8 -الأمر الّذي لا خلاف فيه هو: افتراض الاستتار حين الاغتسال ، بحضرة من لا يجوز له النّظر إلى عورة المغتسل ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « احفظ عورتك إلاّ من زوجتك ، أو ما ملكت يمينك » . وعن أمّ هانئٍ قالت: « ذهبت إلى رسول اللّه عام الفتح فوجدته يغتسل ، وفاطمة تستره فقال: من هذه ؟ فقلت: أنا أمّ هانئٍ » . ( ر: عورةٌ ) فإذا لم يمكنه الاغتسال إلاّ بكشف عورته أمام واحدٍ من هؤلاء ، فقد صرّح الحنفيّة بأنّ كشف العورة حينئذٍ لا يسقط وجوب الغسل عليه - إن كان رجلًا بين رجالٍ ، أو امرأةً بين نساءٍ - لأمرين . الأوّل: نظر الجنس إلى الجنس أخفّ من النّظر إلى الجنس الآخر .