فهرس الكتاب

الصفحة 1817 من 2053

مَضْمَضة *

التّعريف:

1 -المضمضة في اللغة: التّحريك , ومنه: مضمض النعاس في عينيه إذا تحرّكتا بالنعاس , ثمّ اشتهر باستعمالها في وضع الماء في الفم وتحريكه .

قال الفيوميّ: هي تحريك الماء في الفم , يقال: مضمضت الماء في فمي: إذا حرّكته بالإدارة فيه , وتمضمضت في وضوئي: إذا حرّكت الماء في فمي .

واصطلاحًا قال الدّردير والنّووي: أن يجعل الماء في فيه ويديره فيه ثمّ يمجه , أي يطرحه .

وقال ابن عابدين: استيعاب الماء جميع الفم ثمّ مجه .

وعرّفها ابن قدامة بأنّها: إدارة الماء في الفم .

ويؤخذ من هذه التّعاريف أنّ الفقهاء متّفقون على أنّ المضمضمة إدخال الماء إلى الفم , واختلفوا في إدارة الماء في الفم ومجّه .

ومذهب الجمهور عدم اشتراطهما , والأفضل عندهم فعلهما .

ومذهب المالكيّة اشتراطهما , وإلا فلا يعتدّ بها .

الحكم التّكليفي:

2 -اختلف الفقهاء في حكم المضمضة على ثلاثة أقوالٍ:

قال المالكيّة والشّافعيّة وأحمد في روايةٍ: إنّ المضمضة سنّة في الوضوء والغسل , وبه قال الحسن البصري والزهري والحكم وحمّاد وقتادة ويحيى الأنصاري والأوزاعي واللّيث , لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ } فالوجه عند العرب: ما حصلت به المواجهة , وداخل الفم ليس من الوجه , ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « عشر من الفطرة » وذكر منها: « المضمضة والاستنشاق » , والفطرة سنّة , وذكرهما من الفطرة يدل على مخالفتهما لسائر الوضوء , ولقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابيّ: « توضّأ كما أمرك اللّه » ، قال النّووي: هذا الحديث من أحسن الأدلّة , لأنّ هذا الأعرابيّ صلّى ثلاث مرّاتٍ فلم يحسنها , فعلم النّبي صلى الله عليه وسلم حينئذٍ أنّه لا يعرف الصّلاة الّتي تفعل بحضرة النّاس وتشاهَد أعمالها , فعلّمه واجباتها وواجبات الوضوء , فقال النّبي صلى الله عليه وسلم: « توضّأ كما أمرك اللّه » , ولم يذكر له سنن الصّلاة والوضوء لئلا يكثر عليه فلا يضبطها , فلو كانت المضمضة واجبةً لعلّمه إيّاها , فإنّه ممّا يخفى , لا سيما في حقّ هذا الرّجل الّذي خفيت عليه الصّلاة الّتي تشاهد , فكيف الوضوء الّذي يخفى .

ويرى الحنفيّة وأحمد في روايةٍ أخرى أنّ المضمضة واجبة في الغسل , وسنّة في الوضوء , وبه قال سفيان الثّوري , لأنّ الواجب في باب الوضوء غسل الأعضاء الثّلاثة ومسح الرّأس , وداخل الفم ليس من جملتها , أما ما سوى الوجه فظاهر , وكذا الوجه , لأنّه اسم لما يواجه به الإنسان عادةً , والفم لا يواجه به بكلّ حالٍ فلا يجب غسله .

وأمّا وجوب المضمضة في الغسل فلأنّ الواجب هناك تطهير البدن لقوله تعالى: { وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ } أي طهّروا أبدانكم فيجب غسل ما يمكن غسله من غير حرجٍ , ظاهرًا كان أو باطنًا , وممّا يؤكّد وجوب المضمضة والاستنشاق قوله صلى الله عليه وسلم: « إنّ تحت كلّ شعرةٍ جنابة فاغسلوا الشّعر وأنقوا البشرة » , وقالوا: في الأنف شعر وفي الفم بشرة . وقال الحنابلة في المشهور وابن المبارك وابن أبي ليلى وإسحاق وعطاء: إنّ المضمضة والاستنشاق واجبة في الطّهارتين أي الغسل والوضوء لما روت عائشة رضي اللّه عنها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: « المضمضة والاستنشاق من الوضوء الّذي لا بدّ منه » , ولأنّ كلّ من وصف وضوء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مستقصيًا ذكر أنّه تمضمض واستنشق , ومداومته عليهما تدل على وجوبهما , لأنّ فعله يصلح أن يكون بيانًا وتفصيلًا للوضوء المأمور به في كتاب اللّه .

كيفيّة المضمضة:

3 -قال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة: يستحب أن يتمضمض ويستنشق بيمناه , لما ورد عن عثمان رضي الله عنه أنّه دعا بوضوء فأفرغ على كفّيه ثلاث مرارٍ فغسلهما ثمّ أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر ثمّ غسل وجهه ثلاث مرّاتٍ . . . ثمّ قال قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « من توضّأ نحو وضوئي هذا ثمّ صلّى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه غفر له ما تقدّم من ذنبه » , وعن عليٍّ رضي الله عنه: أنّه أدخل يده اليمنى في الإناء فملأ فمه فتمضمض واستنشق واستنثر بيده اليسرى ففعل ذلك ثلاثًا .

وقال الحنفيّة: المضمضة والاستنشاق باليمين سنّة , لما روي عن الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما أنّه استنثر بيمينه ، فقال معاوية رضي الله عنه: جهلت السنّة ، فقال الحسن رضي الله عنه: كيف أجهل والسنّة خرجت من بيوتنا ، أما علمت أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « اليمين للوجه واليسار للمقعد » .

وقال بعض الحنفيّة: المضمضة باليمين والاستنشاق باليسار , لأنّ الفم مطهرة , والأنف مقذرة , واليمين للأطهار , واليسار للأقذار .

4 -قال الحنفيّة والمالكيّة: إنّ السنّة في المضمضة والاستنشاق الفصل بينهما بأن يتمّ كل منهما بثلاث غرفاتٍ , أي أن تتمّ المضمضة بثلاث والاستنشاق بثلاث , لأنّ الّذين حكوا وضوء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أخذوا لكلّ واحدٍ منهما ماءً جديدًا , ولأنّهما عضوان منفردان فيفرد كلّ واحدٍ منهما بماء على حدةٍ كسائر الأعضاء .

وقال الشّافعيّة في الأصحّ والحنابلة: إنّ المضمضة والاستنشاق مستحبّان من كفٍّ واحدةٍ يجمع بينهما , قال الأثرم: سمعت أبا عبد اللّه يسأل: أيهما أعجب إليك المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدةٍ , أو كل واحدةٍ منهما على حدةٍ ؟ قال: بغرفة واحدةٍ , وذلك لحديث عثمان وعليٍّ رضي الله عنهما .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت