التّعريف:
1 -التّعزية لغة: مصدر عزّى: إذا صبّر المصاب وواساه .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ وقال الشّربينيّ: هي الأمر بالصّبر والحمل عليه بوعد الأجر ، والتّحذير من الوزر ، والدّعاء للميّت بالمغفرة ،وللمصاب بجبر المصيبة.
الحكم التّكليفيّ:
2 -لا خلاف بين الفقهاء في استحباب التّعزية لمن أصابته مصيبة .
والأصل في مشروعيّتها: خبر: « من عزّى مصابًا فله مثل أجره » .
وخبر « ما من مؤمن يعزّي أخاه بمصيبة إلّا كساه اللّه من حلل الكرامة يوم القيامة » .
كيفيّة التّعزية ولمن تكون:
3 -يعزّى أهل المصيبة ، كبارهم وصغارهم ، ذكورهم وإناثهم ، إلا الصّبيّ الّذي لا يعقل ، والشّابّة من النّساء ، فلا يعزّيها إلا النّساء ومحارمها ، خوفًا من الفتنة .
ونقل ابن عابدين عن شرح المنية: تستحبّ التّعزية للرّجال والنّساء اللاتي لا يفتنّ .
وقال الدّردير: وندب تعزية لأهل الميّت إلا مخشيّة الفتنة .
مدّة التّعزية:
4 -جمهور الفقهاء: على أنّ مدّة التّعزية ثلاثة أيّام .
واستدلّوا لذلك بإذن الشّارع في الإحداد في الثّلاث فقط ، بقوله صلى الله عليه وسلم: « لا يحلّ لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث ، إلّا على زوج: أربعة أشهر وعشرا » وتكره بعدها ، لأنّ المقصود منها سكون قلب المصاب ، والغالب سكونه بعد الثّلاثة ، فلا يجدّد له الحزن بالتّعزية ، إلا إذا كان أحدهما ( المعزّى أو المعزّي ) غائبًا ، فلم يحضر إلا بعد الثّلاثة ، فإنّه يعزّيه بعد الثّلاثة . وحكى إمام الحرمين وجها وهو قول بعض الحنابلة: أنّه لا أمد للتّعزية ، بل تبقى بعد ثلاثة أيّام ، لأنّ الغرض الدّعاء ، والحمل على الصّبر ، والنّهي عن الجزع ، وذلك يحصل على طول الزّمان .
وقت التّعزية:
5 -ذهب جمهور الفقهاء: إلى أنّ الأفضل في التّعزية أن تكون بعد الدّفن ، لأنّ أهل الميّت قبل الدّفن مشغولون بتجهيزه ، ولأنّ وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر ، فكان ذلك الوقت أولى بالتّعزية . وقال جمهور الشّافعيّة: إلا أن يظهر من أهل الميّت شدّة جزع قبل الدّفن ، فتعجّل التّعزية ، ليذهب جزعهم أو يخفّ . وحكي عن الثّوريّ: أنّه تكره التّعزية بعد الدّفن .
مكان التّعزية:
6 -كره الفقهاء الجلوس للتّعزية في المسجد .
وكره الشّافعيّة والحنابلة الجلوس للتّعزية ، بأن يجتمع أهل الميّت في مكان ليأتي إليهم النّاس للتّعزية ، لأنّه محدث وهو بدعة ، ولأنّه يجدّد الحزن . ووافقهم الحنفيّة على كراهة الجلوس للتّعزية على باب الدّار ، إذا اشتمل على ارتكاب محظور ، كفرش البسط والأطعمة من أهل الميّت . ونقل الطّحطاويّ عن شرح السّيّد أنّه لا بأس بالجلوس لها ثلاثة أيّام من غير ارتكاب محظور . وذهب المالكيّة: إلى أنّ الأفضل كون التّعزية في بيت المصاب . وقال بعض الحنابلة: إنّما المكروه البيتوتة عند أهل الميّت ، وأن يجلس إليهم من عزّى مرّة ، أو يستديم المعزّي الجلوس زيادة كثيرة على قدر التّعزية .
صيغة التّعزية:
7 -قال ابن قدامة: لا نعلم في التّعزية شيئًا محدودًا ، إلا ما روي أنّ الإمام أحمد قال: يروى « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عزّى رجلًا فقال: رحمك اللّه وآجرك » .
وعزّى أحمد أبا طالب ( أحد أصحابه ) فوقف على باب المسجد فقال: أعظم اللّه أجركم وأحسن عزاءكم . وقال بعض أصحابنا إذا عزّى مسلما بمسلم قال: أعظم اللّه أجرك ، وأحسن عزاك ، ورحم اللّه ميّتك . واستحبّ بعض أهل العلم: أن يقول ما روى جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال: « لمّا توفّي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وجاءت التّعزية ، سمعوا قائلًا يقول: إنّ في اللّه عزاء من كلّ مصيبة ، وخلفًا من كلّ هالك ، ودركًا من كلّ ما فات ، فباللّه فثقوا ، وإيّاه فارجوا ، فإنّ المصاب من حرم الثّواب » .
وهل يعزّى المسلم بالكافر أو العكس ؟
8 -ذهب الأئمّة: الشّافعيّ ، وأبو حنيفة في رواية عنه: إلى أنّه يعزّى المسلم بالكافر ، وبالعكس ، والكافر غير الحربيّ . وذهب الإمام مالك: إلى أنّه لا يعزّى المسلم بالكافر . وقال ابن قدامة من الحنابلة: إن عزّى مسلما بكافر قال: أعظم اللّه أجرك وأحسن عزاءك.
صنع الطّعام لأهل الميّت:
9 -يسنّ لجيران أهل الميّت أن يصنعوا طعاما لهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم:
« اصنعوا لأهل جعفر طعاما ، فإنّه قد جاءهم ما يشغلهم » .
ويكره أن يصنع أهل الميّت طعاما للنّاس ، لأنّ فيه زيادة على مصيبتهم ، وشغلًا على شغلهم ، وتشبّها بأهل الجاهليّة ، لخبر جرير بن عبد اللّه البجليّ رضي الله عنه: كنّا نعدّ الاجتماع إلى أهل الميّت ، وصنيعة الطّعام بعد دفنه من النّياحة .