التّعريف:
1 -الفوات لغةً: مصدر فات الأمر يفوته فوتًا وفواتًا: ذهب عنه ، ويطلق أيضًا بمعنى السّبق ، تقول: فاتني فلان بكذا: أي سبقني به .
وفي اصطلاح الفقهاء: هو خروج العمل المطلوب شرعًا عن وقته المحدّد له شرعًا .
وقال الحنفيّة: فائت الحجّ هو الّذي أحرم به ثمّ فاته الوقوف بعرفة ولم يدرك شيئًا منه .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - الأداء:
2 -الأداء لغةً: الإيصال ، وفي اصطلاح الجمهور من الأصوليّين والفقهاء: الأداء فعل بعض ، وقيل: كلّ ما دخل وقته قبل خروجه واجبًا كان أو مندوبًا .
وعند الحنفيّة: الأداء تسليم عين ما ثبت بالأمر .
ولم يعتبر في التّعريف التّقييد بالوقت ليشمل أداء الزّكاة والأمانات ، والمنذورات والكفّارات ، كما أنّه يعمّ فعل الواجب والنّفل .
والأداء خلاف الفوات .
ب - القضاء:
3 -من معاني القضاء في اللّغة: الأداء يقال: قضيت الحجّ والدّين: أدّيته ، قال تعالى: { فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ } ، أي أدّيتموها ، فالقضاء هنا بمعنى الأداء .
واستعمل العلماء القضاء في العبادة الّتي تفعل خارج وقتها المحدود شرعًا ، والأداء إذا فعلت في الوقت المحدود ، وهو مخالف للوضع اللّغويّ لكنّه اصطلاح للتّمييز بين الوقتين . والفوات يكون سببًا للقضاء .
ج - الإحصار:
4 -الإحصار في اللّغة: المنع .
واصطلاحًا: هو المنع من إتمام أركان الحجّ أو العمرة .
والإحصار سبب للفوات .
د - الإفساد:
5 -الإفساد لغةً: ضدّ الإصلاح .
واصطلاحًا: جعل الشّيء فاسدًا ، سواء وجد صحيحًا ثمّ طرأ عليه المفسد ، كما لو انعقد الحجّ صحيحًا ثمّ طرأ عليه ما يفسده ، كالجماع قبل الوقوف بعرفة ، أو وجد الفساد مع العقد ، كبيع الطّعام قبل قبضه .
والإفساد قد يكون سببًا للفوات .
ما يحصل به الفوات في العبادات:
6 -العبادات المحدّدة بوقت تفوت بذهاب الوقت المحدّد لها من غير أداءً ، وتتعلّق بالذّمّة - أي تصبح دينًا ثابتًا في الذّمّة - إلى أن تقضى .
وللتّفصيل: ( ر: أداء ف 7 ) .
7-العبادات الواجبة المطلقة: كالكفّارات ، والنّذور المطلقة اختلفوا في وقت وجوب أدائها ، هل هو على الفور ، أو على التّراخي ، لكنّ الجميع متّفقون على أنّ وجوب الأداء يتضيّق في آخر عمره في زمان يتمكّن فيه من الأداء قبل موته ، والمراد أن ذلك بحسب غالب ظنّه .
وللتّفصيل: ( ر: أداء ف 8 ) .
وهذا يعني أنّ الواجب المطلق يفوت المكلّف بوفاته .
فوات الحجّ:
8 -اختصّ الحجّ بأنّ لفواته حالين:
الأولى: وفاة من وجب عليه الحجّ قبل أدائه ، وذلك سواء على القول بوجوبه على التّراخي ، أو على الفور .
الثّانية: أن يحرم بالحجّ ثمّ يفوته الوقوف بعرفة بحيث لا يدرك شيئًا منه في وقته المحدّد ومكانه المحدّد ، ولو ساعةً لطيفةً ، أي أدنى فترة من الزّمن ، وهو المراد من إطلاقهم"فوات"أو"فاته الحجّ".
وللتّفصيل: ( ر: حجّ ف 123 ) .
9-والأصل في الحكم بفوات الحجّ بفوات الوقوف بعرفة هو قوله صلى الله عليه وسلم: « الحجّ عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحجّ » .
قال الكاسانيّ: والاستدلال به من وجهين:
أحدهما: أنّه جعل الحجّ الوقوف بعرفة ، فإذا وجد فقد وجد الحجّ ، والشّيء الواحد في زمان واحد لا يكون موجودًا وفائتًا .
والثّاني: أنّه جعل تمام الحجّ الوقوف بعرفة ، وليس المراد منه التّمام الّذي هو ضدّ النّقصان ، لأنّ ذلك لا يثبت بالوقوف وحده ، فيدلّ على أنّ المراد منه الخروج عن احتمال الفوات .
وقوله صلى الله عليه وسلم: « من وقف بعرفات بليل فقد أدرك الحجّ ، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحجّ ، فليحلّ بعمرة ، وعليه الحجّ من قابل » .
وبذلك ثبتت الآثار عن الصّحابة ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: من لم يدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحجّ ، فليأت البيت فليطف به سبعًا ويطّوّف بين الصّفا والمروة سبعًا ، ثمّ ليحلق أو يقصّر إن شاء ، وإن كان معه هديه فلينحره قبل أن يحلق ، فإذا فرغ من طوافه وسعيه فليحلق أو يقصّر ثمّ ليرجع إلى أهله .
وعن سليمان بن يسار أنّ أبا أيّوب الأنصاريّ رضي الله عنه خرج حاجًّا ، حتّى إذا كان بالنّازيّة من طريق مكّة ضلّت راحلته ، فقدم على عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يوم النّحر فذكر ذلك له ، فقال له عمر: اصنع كما يصنع المعتمر ثمّ قد حللت .
كما روي غير ذلك من الآثار عن الصّحابة .
قال ابن رشد: أجمعوا على أنّ الوقوف بعرفة ركن من أركان الحجّ ، وأنّه من فاته فعليه حجّ من قابل .
وأمّا العمرة فإنّها لا تفوت بعد الإحرام بها بالإجماع ، لأنّها غير مؤقّتة ، إنّما تفوت بفوات العمر .
( ر: عمرة ) .
تحلّل من فاته الحجّ:
10 -لمّا كان للحجّ وقت محدّد من العام لا يؤدّى في غيره ، ولا يكون الحجّ في العام إلاّ مرّةً واحدةً ، ولمّا كان الإحرام بالحجّ له وقت معيّن ، وله محظورات يجب اجتنابها ، ويشقّ تحمّلها زمنًا طويلًا ، فقد شرع لمن فاته الحجّ بفوات الوقوف بعرفة أن يتحلّل بأعمال العمرة من إحرامه باتّفاق العلماء على ذلك ، سواء كان الحجّ فرضًا أو نفلًا ، صحيحًا أو فاسدًا ، وسواء كان الفوات بعذر أو بغير عذر .
وهذا التّحلّل واجب عند الحنفيّة والشّافعيّة ، حتّى إنّه لو بقي محرمًا إلى العام القادم وصابر الإحرام ، فحجّ بذلك الإحرام لم يصحّ حجّه .
واستدلّوا على هذا بما سبق من الأدلّة والآثار حتّى قيل: هو إجماع الصّحابة .
ولأنّ موجب إحرام حجّه تغيّر شرعًا بالفوات ، فلا يترتّب عليه غير موجبه .