التّعريف:
1 -اللّبن في اللغة: سائل أبيض يكون في إناث الآدميّين والحيوان , وهو اسم جنسٍ , والجمع ألبان , وواحدته لبنة .
واللّبأ: أوّل اللّبن عند الولادة , ولبن كلّ شجرةٍ: ماؤُها على التّشبيه , وشاة لبون: ذات اللّبن غزيرةً كانت أو بكيئةً .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ .
ما يتعلّق باللّبن من أحكامٍ:
يتعلّق باللّبن أحكام متعدّدة منها:
الطّاهر والنّجس من الألبان وما يحل شربه منها:
2 -اللّبن إمّا أن يكون من حيوانٍ أو من آدميٍّ فإن كان من حيوانٍ حيٍّ مأكول اللّحم كالبقر والغنم فهو طاهر بلا خلافٍ , لقوله تعالى: { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ } .
إلا أنّ الفقهاء اختلفوا في طهارة لبن بعض الحيوانات , تبعًا لاختلافهم في حلّ أكلها , فما حلّ أكله كان لبنه طاهرًا , ومن أمثلة ذلك:
أ - لبن الفرس:
3 -لبن الفرس طاهر حلال عند الشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف ومحمّدٍ من الحنفيّة ، واختلف النّقل عن أبي حنيفة فروى الحسن عنه الكراهة في سؤره كما في لبنه , وقيل: لا بأس بلبنه , لأنّه ليس في شربه تقليل آلة الجهاد .
ولبن الفرس نجس عند المالكيّة بناءً على تبعيّة اللّبن للّحم , فقد قالوا: لبن غير الآدميّ تابع للحمه في الطّهارة بعد التّذكية فإن كان لحمه طاهرًا بعد التّذكية وهو المباح والمكروه الأكل فلبنه طاهر وإن كان نجسًا بعد التّذكية وهو محرّم الأكل فلبنه نجس , والفرس من الحيوانات المحرّمة عندهم .
ب - لبن الحمر الأهليّة:
4 -رخّص في ألبان الحمر الأهليّة عطاء وطاووس والزهري , بينما هي نجسة محرّمة عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وهي مكروهة عند الحنفيّة .
ج - لبن الجلالة:
5 -الجلالة ذات اللّبن ممّا يؤكل لحمه كالإبل أو البقر أو الغنم الّتي يكون أغلب أكلها النّجاسة كره شرب لبنها الحنفيّة والحنابلة وهو الأصح عند الشّافعيّة - كما قال النّووي - إذا ظهر نتن ما تأكله في ريحها وعرقها .
ومقابل الأصحّ عند الشّافعيّة أنّ شرب لبنها حرام , والأصل في ذلك ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها » .
ولأنّ لحمها إذا تغيّر يتغيّر لبنها .
وعند المالكيّة لبن الجلالة طاهر , ولا يكره شربه , كما رخّص الحسن في لحومها وألبانها , لأنّ الحيوانات لا تنجس بأكل النّجاسات بدليل أنّ شارب الخمر لا يحكم بتنجيس أعضائه .
د - لبن ميتة مأكول اللّحم:
6 -لبن ميتة مأكول اللّحم من الحيوان نجس وذلك عند المالكيّة والشّافعيّة , وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة , وهو قول أبي يوسف ومحمّدٍ من الحنفيّة , وذلك لأنّ اللّبن مائع في وعاءٍ نجسٍ فكان نجسًا كما لو حلب في وعاءٍ نجسٍ .
وعند أبي حنيفة وهو رواية عند الحنابلة لبن ميتة مأكول اللّحم طاهر لقول اللّه تعالى: { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ } , وصف اللّبن مطلقًا بالخلوص والسيوغ مع خروجه من بين فرثٍ ودمٍ , وهذا آية الطّهارة , وكذا الآية خرجت مخرج الامتنان , والمنّة في موضع النّعمة تدل على الطّهارة , والصّحابة رضي الله تعالى عنهم أكلوا الجبن لمّا دخلوا المدائن , وهو يعمل بالإنفحة , وهي تؤخذ من صغار المعز فهو بمنزلة اللّبن , وذبائحهم ميتة .
ما سبق إنّما هو بالنّسبة للحيوان الحيّ المأكول اللّحم وميتته .
7 -وذهب الفقهاء إلى أنّ لبن الحيوانات المتّفق على حرمة أكلها نجس حيّةً كانت أو ميّتةً , يقول ابن قدامة: حكم الألبان حكم اللّحمان , وفي نهاية المحتاج: لبن ما لا يؤكل كلبن الأتان نجس لكونه من المستحيلات في الباطن فهو نجس , وفي جواهر الإكليل: لبن غير الآدميّ المحلوب في حال الحياة أو بعد موته تابع للحمه في الطّهارة وعدمها , وفي الفتاوى الهنديّة: الحمار الأهلي لحمه حرام فكذلك لبنه .
لبن الآدميّ:
8 -لبن الآدميّ الحيّ طاهر باتّفاقٍ , سواء أكان من امرأةٍ أم من رجلٍ إذ لا يليق بكرامته أن يكون منشؤُه نجسًا .
أمّا لبن الآدميّ الميّت فهو طاهر عند الحنفيّة والشّافعيّة وهو الظّاهر من مذهب الحنابلة , لأنّ اللّبن لا ينجس بالموت بل هو طاهر بعد الموت وإن تنجّس الوعاء الأصلي له , ونجاسة الظّرف إنّما توجب نجاسة المظروف إذا لم يكن الظّرف معدنًا للمظروف وموضعًا له في الأصل , فأمّا إذا كان في الأصل موضعه ومظانه فنجاسته لا توجب نجاسة المظروف .
وقال المالكيّة: إنّ لبن الآدميّ الميّت نجس , وقيل: إنّه طاهر .
بيع اللّبن:
9 -بيع لبن الحيوان المأكول اللّحم بعد حلبه جائز بلا خلافٍ بين الفقهاء , لأنّه طاهر منتفع به مقدور على تسليمه .
واختلف الفقهاء في عدّة مسائل .
أ - بيع اللّبن في الضّرع:
10 -ذهب جمهور الفقهاء الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى عدم جواز بيع اللّبن في الضّرع .
وقد علّله الشّافعيّة والحنابلة بأنّه مجهول الصّفة والمقدار , فقد يرى امتلاء الضّرع من السّمن فيظن أنّه من اللّبن , ولأنّ اللّبن قد يكون صافيًا وقد يكون كدرًا , وذلك غرر من غير حاجةٍ فلم يجز , ولأنّه بيع عينٍ لم تخلق .