التّعريف:
1 -الشّهوة لغةً: اشتياق النّفس إلى الشّيء ، والجمع: شهوات . وشيء شهيّ ، مثل لذيذ ، وزنًا ومعنىً .
واشتهاه وتشهّاه: أحبّه ورغب فيه .
وفي الاصطلاح: توقان النّفس إلى المستلذّات .
وقال القرطبيّ: الشّهوات عبارة عمّا يوافق الإنسان ويشتهيه ويلائمه ولا يتّقيه .
وفي إعطاء النّفس حظّها من الشّهوات المباحة مذاهب حكاها الماورديّ:
أحدها: منعها وقهرها كي لا تطغى .
والثّاني: إعطاؤها تحيّلًا على نشاطها وبعثًا لروحانيّتها .
والثّالث: قال - وهو الأشبه -: التّوسّط ، لأنّ في إعطاء الكلّ سلاطةً ، وفي المنع بلادةً .
الأحكام المتعلّقة بالشّهوة:
نقض الوضوء باللّمس بشهوة:
2 -ذهب الحنفيّة إلى: أنّ لمس المرأة غير المحرم بشهوة أو بغير شهوة غير ناقض للوضوء، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى: أنّه ينتقض الوضوء بمباشرة فاحشة استحسانًا ، وهي مسّ فرج أو دبر بذكر منتصب بلا حائل يمنع حرارة الجسد ، أو مع وجود حائل رقيق لا يمنع الحرارة.
وكما ينتقض وضوء الرّجل ينتقض وضوء المرأة كما في القنية .
وقال محمّد بن الحسن: لا ينتقض الوضوء إلاّ بخروج المذي ، وهو القياس .
ووجه الاستحسان: أنّ المباشرة الفاحشة لا تخلو عن خروج المذي غالبًا ، والغالب كالمتحقّق . وفي مجمع الأنهر: قوله: - أي محمّد -: أقيس ، وقولهما: أحوط .
3 -وذهب المالكيّة إلى: أنّ لمس المتوضّئ البالغ لشخص يلتذّ بمثله عادةً - من ذكر أو أنثى- ينقض الوضوء ولو كان الملموس غير بالغ ، أو كان اللّمس لظفر أو شعر أو من فوق حائل كثوب ، وظاهر المدوّنة سواء كان الحائل خفيفًا يحسّ اللامس معه بطراوة البدن ، أم كان كثيفًا، وتأوّلها بعض المالكيّة بالخفيف ، ومحلّ الخلاف بين الخفيف والكثيف ما لم يقبض ، فإن قبض على شيء من الجسم نقض اتّفاقًا .
ومحلّ النّقض: إن قصد التّلذّذ بلمسه ، وإن لم تحصل له لذّة حال لمسه ، أو وجدها حال اللّمس وإن لم يكن قاصدًا لها ابتداءً . فإن لم يقصد ولم تحصل له لذّة فلا نقض ولو وجدها بعد اللّمس . والملموس - إن بلغ ووجد اللّذّة أو قصدها - بأن مالت نفسه لأن يلمسه غيره فلمسه: انتقض وضوءه ، لأنّه صار في الحقيقة لامسًا وملموسًا ، فإن لم يكن بالغًا فلا نقض ، ولو قصد ووجد . وأمّا القبلة في الفم فتنقض الوضوء مطلقًا ، سواء قصد المقبّل اللّذّة أو وجدها ، أم لا ، لأنّها مظنّة اللّذّة بخلافها في غير الفم . وسواء في النّقض: المقبّل والمقبّل ، ولو وقعت بإكراه أو استغفال .
ولا ينتقض الوضوء بلذّة من نظر أو فكر ولو أنعظ ، ولا بلمس صغيرة لا تشتهى أو بهيمة .
4 -وذهب الشّافعيّة إلى أنّ التقاء بشرتي الرّجل والمرأة ينقض الوضوء ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون بشهوة أو إكراه ، أو نسيان ، أو يكون الرّجل ممسوح الذّكر ، أو خصيًّا ، أو عنّينًا ، أو المرأة عجوزًا شوهاء أو كافرةً .
واللّمس عندهم: الحسّ باليد ، والمعنى فيه أنّه مظنّة ثوران الشّهوة ، ومثله في ذلك باقي صور الالتقاء فألحقت به ، بخلاف نقض الوضوء بمسّ الفرج ، فإنّه يختصّ ببطن الكفّ لأنّ المسّ إنّما يثير الشّهوة ببطن الكفّ ، واللّمس يثيرها به وبغيره .
والمراد بالرّجل: الذّكر إذا بلغ حدًّا يشتهي لا البالغ .
وبالمرأة: الأنثى إذا صارت مشتهاةً لا البالغة .
ولا ينتقض الوضوء بلمس المحرم له بنسب أو رضاع أو مصاهرة ، ولو بشهوة في الأظهر ، لأنّها ليست مظنّة الشّهوة بالنّسبة إليه ، كالرّجل . ومقابل الأظهر ينتقض الوضوء لعموم قوله تعالى: { أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء } .
والملموس رجلًا كان أو امرأةً كاللامس في نقض وضوئه في الأظهر ، لاستوائهما في لذّة اللّمس.
ولا نقض بلمس الصّغيرة أو الصّغير إذا لم يبلغ كلّ منهما حدًّا يشتهى عرفًا . ولا بلمس الشّعر أو السّنّ أو الظّفر في الأصحّ .
5-وذهب الحنابلة إلى أنّ من النّواقض للوضوء مسّ بشرة الذّكر بشرة أنثى لشهوة ، لقوله تعالى: { أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء } .
وأمّا كون اللّمس لا ينقض إلاّ إذا كان لشهوة فللجمع بين الآية والأخبار . لأنّه روي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: » فقدت النّبيّ صلى الله عليه وسلم ليلةً من الفراش فالتمسته ، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان « . ونصبهما دليل على أنّه كان يصلّي ، وروي عنها أيضًا أنّها قالت: » كنت أنام بين يدي النّبيّ صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي « .
والظّاهر أنّ غمزه رجليها كان من غير حائل . ولأنّ المسّ ليس بحدث في نفسه ، وإنّما هو داع إلى الحدث ، فاعتبرت الحالة الّتي يدعو فيها إلى الحدث ، وهي حالة الشّهوة .
وينقض الوضوء مسّ بشرتها بشرته لشهوة ، لأنّها ملامسة تنقض الوضوء فاستوى فيها الذّكر والأنثى كالجماع .
ويشترط في المسّ النّاقض للوضوء: أن يكون من غير حائل ، لأنّه مع الحائل لم يلمس بشرتها، أشبه ما لو لمس ثيابها لشهوة ، والشّهوة لا توجب الوضوء بمجرّدها .
ولا ينقض مسّ الرّجل الطّفلة ، ولا مسّ المرأة الطّفل . أي: من دون سبع سنوات ، ولا ينتقض وضوء ملموس بدنه ولو وجد منه شهوةً ، لأنّه لا نصّ فيه .
وقال ابن قدامة: وينتقض وضوء الملموس إذا وجدت منه الشّهوة ، لأنّ ما ينتقض بالتقاء البشرتين لا فرق فيه بين اللامس والملموس .