التّعريف:
1 -اللّحن: في اللغة يطلق على معانٍ عدّةٍ .
يقال: لحن فلان لفلان لحنًا: قال له قولًا يفهمه عنه , ويخفى على غيره , ويطلق على الخطأ في الإعراب ومخالفة الصّواب فيه , يقال: لحن القارئ في القراءة والمتكلّم في كلامه , يلحن لحنًا: أخطأ في الإعراب , وخالف وجه الصّواب .
ويطلق على الفطنة , ففي الأثر: « إنّكم تختصمون إليّ ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعضٍ . . » أي أفطن بحجّته , قال ابن حجرٍ: المراد أنّه إذا كان أفطن كان قادرًا على أن يكون أبلغ في حجّته من الآخر , ويطلق على الأصوات المصوغة الموضوعة الّتي فيها تغريد , وتطريب , وجمعه ألحان , ولحون , ويقال: لحن القول أي فحواه ومعناه .
وفي اصطلاح النّحويّين هو: الخطأ في إعراب الكلمة , أو تصحيح المفرد .
وعند القرّاء هو: خلل يطرأ على اللّفظ فيخل بالمعنى .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ .
الأحكام المتعلّقة باللّحن:
تعمد اللّحن في قراءة القرآن:
2 -القرآن كلام اللّه المعجز المنزّل على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المنقول بالتّواتر , فيحرم تعمد اللّحن فيه , سواء أغيّر المعنى أم لم يغيّر , لأنّ ألفاظه توقيفيّة نقلت إلينا بالتّواتر , فلا يجوز تغيير لفظٍ منه بتغيير الإعراب أو بتغيير حروفه بوضع حرفٍ مكان آخر .
ولأنّ في تعمد اللّحن عبثًا بكلام اللّه , واستهزاءً بآياته , وهو كفر بواح , قال تعالى: { قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ، لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } .
قال جمهور الفقهاء بجواز قراءة القرآن بالألحان إذا لم تتغيّر الكلمة عن وضعها , ولم يحصل باللّحن تطويل بحيث يصير الحرف حرفين , أو يصل به إلى ما لم يقله أحد من القرّاء بل كان لمجرّد تحسين الصّوت , وتزيين القراءة , بل يستحب ذلك , وفي أثرٍ عن عمر رضي الله عنه:"تعلّموا الفرائض واللّحن والسنن كما تعلّمون القرآن".
ونقل النّووي عن الماورديّ أنّه قال: القراءة بالألحان الموضوعة إن أخرجت لفظ القرآن عن صيغته بإدخال حركاتٍ فيه أو إخراج حركاتٍ منه أو قصر ممدودٍ أو مدّ مقصورٍ , أو تمطيطٍ يخفى به بعض اللّفظ ويلتبس المعنى فهو حرام يفسق به القارئ ويأثم به المستمع , لأنّه عدل به عن نهجه القويم إلى الاعوجاج واللّه تعالى يقول: { قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ } .
قال: وإن لم يخرجه اللّحن عن لفظه وقراءته على ترتيله كان مباحًا , لأنّه زاد بألحانه في تحسينه .
ونقل ابن حجرٍ الهيتمي عن الشّاشيّ أنّه نسب في حليته إلى الشّافعيّ ما قاله الماورديّ . وقال في الفتاوى الهنديّة: إن قرأ بالألحان في غير الصّلاة إن غيّر الكلمة ويقف في موضع الوصل أو فصل في موضع الوقف يكره وإلا لا يكره .
والتّفصيل في مصطلحات: ( قراءةٍ ف 9 , غناءٍ ف 11 ) .
اللّحن في القراءة في الصّلاة:
3 -ذهب الفقهاء إلى أنّ تعمد اللّحن في الصّلاة إن كان في الفاتحة يبطل الصّلاة واختلفوا فيه إذا لم يتعمّد , أو كان في غير الفاتحة:
قال الشّافعيّة والحنابلة: إن كان اللّحن لا يغيّر المعنى كرفع هاء الحمد للّه كانت إمامته مكروهةً كراهةً تنزيهيّةً وصحّت صلاته وصلاة من اقتدى به .
وإن غيّر المعنى كضمّ"تاء"أنعمت , وكسرها , وكقوله: اهدنا الصّراط المستقين بدل"المستقيم".
فإن كان يمكن له التّعلم فهو مرتكب للحرام , ويلزمه المبادرة بالتّعلم , فإن قصّر , وضاق الوقت لزمه أن يصلّي , ويقضي , ولا يصح الاقتداء به , وإن لم يمكنه التّعلم لعجز في لسانه , أو لم تمض مدّة يمكن له التّعلم فيها فصلاته صحيحة , وكذا صلاة من خلفه , هذا إذا وقع اللّحن في الفاتحة , وإن لحن في غير الفاتحة كالسورة بعد الفاتحة صحّت صلاته , وصلاة كلّ أحدٍ صلّى خلفه , لأنّ ترك السورة لا يبطل الصّلاة فلا يمنع الاقتداء به .
وقال الحنفيّة: تفسد الصّلاة باللّحن الّذي يغيّر المعنى تغييرًا يكون اعتقاده كفرًا سواء وجد مثله في القرآن أم لا , إلا ما كان في تبديل الجمل مفصولًا بوقف تامٍّ , وإن لم يكن مثله في القرآن , والمعنى بعيد , ويتغيّر به المعنى تغييرًا فاحشًا تفسد الصّلاة به أيضًا , كـ"هذا الغبار"بدل"هذا الغراب"وكذا إن لم يوجد مثله في القرآن , ولا معنى له مطلقًا , كالسّرائل , بدل"السّرائر".