التّعريف:
1 -المحَل في اللغة: - بفتح الحاء - مصدر ميمي , وهو المكان الّذي يحل فيه , ومنه محل الإعراب في النّحو وهو ما يستحقه اللّفظ الواقع فيه من الإعراب لو كان معربًا . والمحِل - بكسر الحاء - المكان الّذي يحل فيه , والأجل , فمحل الدّين أجله , ومحل الهدي يوم النّحر .
وقال الزّمخشريّ: في قوله تعالى: { ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } أي وجوب نحرها , أو وقت وجوب نحرها في الحرم منتهيةً إلى البيت .
والمحلّة: المكان ينزله القوم .
وفي الاصطلاح: يذكر الفقهاء أنّ المحلّ - بكسر الحاء - هو الوقت والأجل , وبفتح الحاء الموضع والمكان , كما يطلق على الشّيء الّذي يقع عليه التّصرف .
ما يتعلّق بالمحلّ من أحكامٍ:
أولا: المحل بمعنى الموضع والمكان:
يأتي المحل بهذا المعنى في عدّة مواضع منها:
أ - تطهير محلّ النّجاسة:
2 -اختلف الفقهاء فيما يحصل به طهارة محلّ النّجاسة:
فذهب الحنفيّة إلى التّفريق بين النّجاسة المرئيّة وغير المرئيّة , فإذا كانت مرئيّةً طهر المحل المتنجّس بها بزوال عينها , وإذا كانت غير مرئيّةٍ طهر المحل بغسلها ثلاثًا وجوبًا مع العصر كلّ مرّةٍ .
وذهب المالكيّة إلى أنّ محلّ النّجاسة يطهر بغسله من غير تحديد عددٍ مع زوال طعم النّجاسة ولو عسر , وزوال اللّون والرّيح إن تيسّر .
وفرّق الشّافعيّة بين أن تكون النّجاسة عينًا أو ليست بعين .
فإن كانت النّجاسة عينًا وجب بعد زوال عينها إزالة الطّعم , فإن عسر زواله بحتّ أو قرصٍ ثلاث مرّاتٍ عفي عنه ما دام العسر , ويجب إزالته إذا قدر , ولا يضر بقاء اللّون أو الرّيح إن تعسّر زوالهما .
وذهب الحنابلة إلى أنّه تطهر المتنجّسات بسبع غسلاتٍ منقيةٍ .
والتّفصيل في مصطلح: ( طهارة ف 11 ) .
ب - في الوضوء:
2 -الأصل أنّه يجب غسل أو مسح محلّ الفرض في الوضوء , كما يسن غسل أو مسح ما هو سنّة , وهذا أصل متّفق عليه .
وقد اختلف الفقهاء فيما يشمله محل الفرض أو السنّة:
ويسن عند جمهور الفقهاء الزّيادة على محلّ الفرض في الوضوء في اليدين والرّجلين لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « إنّ أمّتي يأتون يوم القيامة غرًا محجّلين من أثر الوضوء , فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل » .
وقال المالكيّة: يكره الزّيادة على محلّ الفرض لأنّه من الغلوّ في الدّين .
وتفصيل أحكام محلّ الوضوء ينظر في مصطلح: ( وضوء ) .
ج - النّظر إلى محلّ السجود في الصّلاة:
4 -ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يسن للمصلّي أن ينظر إلى موضع سجوده في جميع صلاته لقول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: كان أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم إلى السّماء في الصّلاة , فلمّا أنزل اللّه تعالى: { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } رمقوا بأبصارهم إلى موضع سجودهم , لأنّ جمع النّظر في موضعٍ أقرب إلى الخشوع , وموضع سجودهم أشرف وأسهل .
قال أحمد في رواية حنبلٍ: الخشوع في الصّلاة أن يجعل نظره إلى موضع سجوده , وروي ذلك عن مسلمة بن يسارٍ وقتادة .
قال الشّافعيّة: وهذا في غير صلاة الجنازة , أمّا في صلاة الجنازة فإنّه ينظر إليها . واستثنى الشّافعيّة من النّظر إلى موضع السجود في الصّلاة حالة التّشهد , فإنّ السنّة إذا رفع مسبّحته أن لا يجاوز بصره إشارته .
قال الخطيب الشّربيني: وعن جماعةٍ أنّ المصلّي في المسجد الحرام ينظر إلى الكعبة , لكن صوّب البلقينيّ أنّه كغيره , وقال الإسنوي: إنّ استحباب نظره إلى الكعبة في الصّلاة وجه ضعيف .
وجزم البغويّ والمتولّي بأنّ المصلّي ينظر في القيام إلى موضع سجوده , وفي الركوع إلى ظهر قدميه , وفي السجود إلى أنفه , وفي القعود إلى حجره , لأنّ امتداد البصر يلهي فإذا قصّر كان أولى .
وقد روي عن بعض الصّحابة أنّه قال: « قلت يا رسول اللّه: أين أجعل بصري في الصّلاة ؟ قال: موضع سجودك , قال: قلت يا رسول اللّه , إنّ ذلك لشديد , لا أستطيع ؟ قال: ففي المكتوبة إذًا » .
واستثنى الحنابلة من النّظر إلى موضع السجود ما إذا كان المصلّي في صلاة خوفٍ ونحوه , كخائف ضياع مالٍ ونحوه , فينظر إلى جهة العدوّ وإلى جهة ماله لحاجته إلى ذلك دفعًا للضّرر .
وعدّ الحنفيّة النّظر إلى موضع السجود وغيره من الآداب , جاء في الدرّ المختار: من آداب الصّلاة نظر المصلّي إلى موضع سجوده حال قيامه , وإلى ظهر قدميه حال ركوعه , وإلى أرنبة أنفه حال سجوده , وإلى حجره حال قعوده , وإلى منكبه الأيمن عند التّسليمة الأولى , وإلى منكبه الأيسر عند التّسليمة الثّانية وذلك لتحصيل الخشوع .
قال ابن عابدين: إذا كان في هذه المواضع ما ينافي الخشوع فإنّه يعدل إلى ما يحصل فيه الخشوع , ثمّ نبّه ابن عابدين إلى أنّ المنقول في ظاهر الرّواية أن يكون منتهى بصره في صلاته إلى محلّ سجوده .
وقال المالكيّة على ما جاء في منح الجليل والخرشيّ: يكره النّظر إلى موضع سجوده لتأديته لانحنائه برأسه وإنّما يجعل بصره أمامه , قال ابن رشدٍ: الّذي ذهب إليه مالك أن يكون بصر المصلّي أمام قبلته من غير أن يلتفت إلى شيءٍ أو ينكس رأسه , وهو إذا فعل ذلك خشع بصره ووقع في موضع سجوده على ما جاء عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وليس بضيّق عليه أن يلحظ بصره الشّيء من غير التفاتٍ إليه , فقد جاء ذلك عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم .