التّعريف:
1 -السّفر لغةً قطع المسافة البعيدة . يقال ذلك إذا خرج للارتحال .
قال الفيّوميّ: وقال بعض المصنّفين أقلّ السّفر يوم .
والجمع أسفار ، ورجل مسافر ، وقوم سفر وأسفار وسفّار ، وأصل المادّة الكشف .
وسمّي السّفر سفرًا لأنّه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم فيظهر ما كان خافيًا .
وفي الاصطلاح: السّفر هو الخروج على قصد قطع مسافة القصر الشّرعيّة فما فوقها .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - الحضر:
2 -الحضر بفتحتين والحضرة والحاضرة خلاف البادية ، وهي المدن والقرى والرّيف ، سمّيت بذلك لأنّ أهلها حضروا الأمصار ومساكن الدّيار الّتي يكون لهم بها قرار والحضر من النّاس ساكنو الحضر ، والحاضر خلاف البادي والحضر من لا يصلح للسّفر .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ .
ب - الإقامة:
3 -من معاني الإقامة ، الثّبوت في المكان ، واتّخاذه وطنًا ، وهي ضدّ السّفر .
الحكم التّكليفيّ:
4 -قسّم الحنفيّة السّفر من حيث حكمه إلى ثلاثة أقسام: سفر طاعة كالحجّ والجهاد ، وسفر مباح كالتّجارة ، وسفر معصية كقطع الطّريق وحجّ المرأة بلا محرم .
وقال المالكيّة: السّفر على قسمين: سفر طلب ، وسفر هرب . فسفر الهرب واجب .
وهو إذا كان في بلد يكثر فيه الحرام ويقلّ فيه الحلال فإنّه يجب عليه السّفر منه إلى بلد يكثر فيه الحلال . وكذلك يجب الهروب من موضع يشاهد فيه المنكر من شرب خمر وغير ذلك من سائر المحرّمات إلى موضع لا يشهد فيه ذلك . وكذلك يجب عليه الهرب من بلد أو موضع يذلّ فيه نفسه إلى موضع يعزّ فيه نفسه ، لأنّ المؤمن عزيز لا يذلّ نفسه . وكذلك يجب الهروب من بلد لا علم فيه إلى بلد فيه العلم . وكذلك يجب الهروب من بلد يسمع فيه سبّ الصّحابة رضوان الله عليهم ، ولا يخفى أنّ ذلك كلّه حيث لم يمكن الإنسان التّغيير والإصلاح. وأمّا سفر الطّلب فهو على أقسام - ويوافقهم الشّافعيّة والحنابلة عليها - واجب كسفر حجّ الفريضة والجهاد إذا تعيّن .
ومندوب وهو ما يتعلّق بالطّاعة قربةً للّه سبحانه كالسّفر لبرّ الوالدين أو لصلة الرّحم أو طلب العلم أو للتّفكّر في الخلق ، ومباح وهو سفر التّجارة ، وممنوع وهو السّفر لمعصية اللّه تعالى .
ومثّل الشّافعيّة للسّفر المكروه بالّذي يسافر وحده ، وسفر الاثنين أخفّ كراهةً وذلك لخبر أحمد وغيره « كره النّبيّ صلى الله عليه وسلم الوحدة في السّفر » .
وقوله صلى الله عليه وسلم: « الرّاكب شيطان والرّاكبان شيطانان والثّلاثة ركب » .
وقد صرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّ السّفر لرؤية البلاد والتّنزّه فيها مباح .
وقال الحنابلة: إنّ السّياحة لغير موضع معيّن مكروه .
السّفر من عوارض الأهليّة:
5 -السّفر من عوارض الأهليّة المكتسبة ، وهو لا ينافي شيئًا من أهليّة الأحكام وجوبًا وأداءً من العبادات وغيرها . فلا يمنع وجوب شيء من الأحكام نحو الصّلاة والزّكاة والحجّ لبقاء القدرة الظّاهرة والباطنة بكمالها . لكنّه جعل في الشّرع من أسباب التّخفيف بنفسه مطلقًا - يعني من غير نظر إلى كونه موجبًا للمشقّة أو غير موجب لها ، لأنّ السّفر من أسباب المشقّة في الغالب . فلذلك اعتبر نفس السّفر سببًا للرّخص وأقيم مقام المشقّة . وتفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ .
شروط السّفر:
6 -يشترط في السّفر الّذي تتغيّر به الأحكام ، ما يلي:
أ - أن يبلغ المسافة المحدّدة شرعًا:
7 -اختلف الفقهاء في مسافة السّفر الّذي تتغيّر به الأحكام ، فذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّ مسافة السّفر الّتي تتغيّر بها الأحكام أربعة برد .
لما روى ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « يا أهل مكّة لا تقصروا في أقلّ من أربعة برد من مكّة إلى عسفان » وكان ابن عمر وابن عبّاس - رضي الله عنهم - يقصران ويفطران في أربعة برد . ذلك إنّما يفعل عن توقيف . وكلّ بريد أربعة فراسخ ، والفرسخ ثلاثة أميال هاشميّة . فهي ثمانية وأربعون ميلًا ، والفرسخ بأميال بنى أميّة ميلان ونصف ، فالمسافة على هذا أربعون ميلًا .
والتّقدير بثمانية وأربعين ميلًا هو المشهور عند المالكيّة والشّافعيّة وعندهم أقوال ضعيفة بغير ذلك ولا تحسب من هذه المسافة مدّة الرّجوع اتّفاقًا .
فلو كانت ملفّقةً من الذّهاب والرّجوع لم تتغيّر الأحكام . وهي باعتبار الزّمان مرحلتان ، وهما سير يومين معتدلين أو يوم وليلة بسير الإبل المثقلة بالأحمال على المعتاد ، مع النّزول المعتاد لنحو استراحة وأكل وصلاة . قال الأثرم: قيل لأبي عبد اللّه . في كم تقصر الصّلاة ؟ قال: في أربعة برد . قيل له: مسيرة يوم تامّ ؟ قال: لا: أربعة برد ، ستّة عشر فرسخًا ، مسيرة يومين . قال البهوتيّ: وقد قدّره ابن عبّاس - رضي الله عنهما - من عسفان إلى مكّة ، ومن الطّائف إلى مكّة ، ومن جدّة إلى مكّة .
وقد صرّح المالكيّة بأنّ اليوم يعتبر من طلوع الشّمس لأنّه المعتاد للسّير غالبًا لا من طلوع الفجر ، وأنّ البحر كالبرّ في اشتراط المسافة المذكورة .
قال الدّسوقيّ: إنّ البحر لا تعتبر فيه المسافة بل الزّمان وهو يوم وليلة ، وقيل باعتبارها فيه كالبرّ وهو المعتمد ، وعليه إذا سافر وبعض سفره في البرّ وبعض سفره في البحر فقيل يلفّق مسافة أحدهما لمسافة الآخر مطلقًا من غير تفصيل . وقيل: لا بدّ فيه من التّفصيل على ما مرّ وهو المعتمد .