التّعريف:
1 -المحراب في اللغة: الغرفة , وصدر البيت وأكرم مواضعه , ومقام الإمام من المسجد , والموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن النّاس , والأجمة , وعنق الدّابّة .
قال الفيوميّ: المحراب صدر المجلس , ويقال: هو أشرف المجالس , وهو حيث يجلس الملوك والسّادات والعظماء ومنه محراب المصلّي .
وقال ابن الأنباريّ عن أحمد بن عبيدٍ: سمّي محرابًا لانفراد الإمام إذا قام فيه وبعده عن القوم .
والمحراب عند الفقهاء هو: مقام الإمام في الصّلاة , والجهة الّتي يصلّي نحوها المسلمون , قال الطّحطاويّ , بعد تعريف القبلة تعريفًا شرعيًا: وتسمى - أي القبلة - أيضًا محرابًا , لأنّ مقابلها يحارب الشّيطان والنّفس , أي بإحضار قلبه .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - القبلة:
2 -القبلة في اللغة: الجهة , يقال: ليس لفلان قبلة ، أي جهة , ويقال: أين قبلتك ؟ أي جهتك , والقبلة أيضًا: وجهة المسجد وناحية الصّلاة .
وفي الاصطلاح: قال الشّربيني الخطيب: القبلة صارت في الشّرع حقيقة الكعبة لا يفهم منها غيرها , سمّيت قبلةً لأنّ المصلّي يقابلها .
والصّلة بين المحراب والقبلة: أنّ المحراب الّذي نصب باجتهاد علماء المسلمين يكون - في الجملة - أمارةً على القبلة .
ب - المسجد:
3 -المسجد في اللغة: بيت الصّلاة , وموضع السجود من بدن الإنسان , والجمع مساجد . وفي الاصطلاح: الأرض الّتي جعلها مالكها مسجدًا بقوله: جعلتها مسجدًا وأفرز طريقه وأذّن بالصّلاة فيه .
والعلاقة بين المحراب والمسجد: أنّ المحراب جزء من المسجد , ومقام الإمام للصّلاة فيه . ج - الطّاق:
4 -الطّاق في اللغة: ما عطف من الأبنية وجعل كالقوس .
وفي الاصطلاح: المحراب , والظلّة الّتي عند باب المسجد أو حوله .
والصّلة بين المحراب والطّاق التّرادف على المعنى الاصطلاحيّ الأوّل , وأنّ كلًا منهما بناء في المسجد أو في رحبته على المعنى الثّاني .
حكم اتّخاذ المحراب:
5 -اختلف الفقهاء في حكم اتّخاذ المحراب:
فقال الحنابلة: اتّخاذ المحراب مباح , نصّ عليه , وقيل: يستحب , أومأ إليه أحمد واختاره الآجري وابن عقيلٍ وابن الجوزيّ وابن تميمٍ , ليستدلّ به الجاهل , وكان أحمد يكره كلّ محدثٍ , واقتصر ابن البنّاء عليه فدلّ على أنّه قال به .
وقال الزّركشي: كره بعض السّلف اتّخاذ المحاريب في المسجد .
وعبارة الحنفيّة والمالكيّة تدل على إباحته .
قال ابن عابدين: إنّ الإمام - الرّاتب - لو ترك المحراب وقام في غيره يكره ولو كان قيامه وسط الصّفّ لأنّه خلاف عمل الأمّة .
وقال الدسوقيّ: المشهور أنّ الإمام يقوم في المحراب حال صلاة الفريضة كيف اتّفق .
أوّل من اتّخذ المحراب:
6 -لم يكن للمسجد النّبويّ الشّريف محراب في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم , ولا في عهد الخلفاء بعده , وأوّل من اتّخذ المحراب عمر بن عبد العزيز , أحدثه وهو عامل الوليد بن عبد الملك على المدينة المنوّرة عندما أسّس مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا هدمه وزاد فيه , وكان هدمه للمسجد سنة إحدى وتسعين للهجرة , وقيل سنة ثمانٍ وثمانين وفرغ منه سنة إحدى وتسعين - وهو أشبه - وفيها حجّ الوليد .
ويعني بمحراب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مصلاه وموقفه , لأنّ هذا المحراب المعروف لم يكن في زمن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم .
تزويق المحراب ووضع مصحفٍ فيه:
7 -نصّ المالكيّة على أنّه يكره تزويق محراب المسجد بذهب أو غيره , وكذلك الكتابة فيه , بخلاف تجصيصه فيستحب , وتعمد مصحفٍ في المحراب أي جعله فيه عمدًا ليصلّي له , أي إلى جهة المصحف أو ليصلّي متوجّهًا إليه , فإن لم يتعمّد ذلك بأن كان المصحف في الموضع الّذي يعلّق فيه لم تكره الصّلاة لجهته .
ونقل الزّركشي عن مالكٍ أنّه يكره أن يكتب في قبلة المسجد - أي محرابه - آية من القرآن آو شيءٍ منه , وأردف الزّركشي ذلك بقوله: وجوّزه بعض العلماء وقال: لا بأس به لقوله تعالى: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ } الآية , ولما روي من فعل عثمان رضي الله تعالى عنه ذلك بمسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم ينكر ذلك .
قيام الإمام في المحراب:
8 -اختلف الفقهاء في حكم قيام الإمام في المحراب أثناء صلاة الجماعة:
فذهب الشّافعيّة والمالكيّة في المشهور عندهم وبعض الحنفيّة إلى أنّه يجوز للإمام القيام في المحراب حال صلاة الفريضة .
وذهب الحنابلة وبعض الحنفيّة إلى كراهة قيام الإمام في المحراب حال صلاة الفريضة في الجملة .
وروي عن بعض فقهاء الحنفيّة أنّه يكره للإمام أن يقوم في غير المحراب إلا لضرورة , وروي عن أحمد أنّه يستحب وقوف الإمام في المحراب .
وللفقهاء في ذلك وغيره تفصيل:
لخّص ابن عابدين اختلاف فقهاء الحنفيّة بقوله: حاصله أنّه صرّح محمّد في الجامع الصّغير بالكراهة ولم يفصّل , فاختلف المشايخ في سببها: فقيل: كونه يصير ممتازًا عنهم في المكان , لأنّ المحراب في معنى بيتٍ آخر , وذلك صنيع أهل الكتاب , واقتصر عليه في الهداية , واختاره السّرخسي وقال إنّه الأوجه .
وقيل: اشتباه حاله على من في يمينه ويساره .
فعلى الأوّل يكره مطلقًا , وعلى الثّاني لا يكره عند عدم الاشتباه .
وأيّد الثّاني في الفتح بأنّ امتياز الإمام في المكان مطلوب وتقدمه واجب , وغايته اتّفاق الملّتين في ذلك , وارتضاه في الحلية وأيّده .