التّعريف:
1 -التّداخل في اللّغة: تشابه الأمور والتباسها ودخول بعضها في بعض .
وفي الاصطلاح: دخول شيء في شيء آخر بلا زيادة حجم ومقدار . وتداخل العددين أن يعدّ أقلّهما الأكثر ، أي يفنيه ، مثل ثلاثة وتسعة .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - الاندراج:
2 -الاندراج مصدر اندرج ، ومن معانيه في اللّغة: الانقراض . ويستعمله الفقهاء بمعنى دخول أمر في أمر آخر أعمّ منه ، كالحدث الأصغر مع الجنابة في الطّهارة .
ب - التّباين:
3 -معنى التّباين في اللّغة: التّهاجر والتّباعد . وفي الاصطلاح: عبارة عمّا إذا نسب أحد الشّيئين إلى الآخر لم يصدق أحدهما على شيء ممّا صدق عليه الآخر ، فإن لم يتصادقا على شيء أصلًا فبينهما التّباين الكلّيّ ، وإن صدقا في الجملة فبينهما التّباين الجزئيّ . كالحيوان والأبيض وبينهما العموم من وجه . والفرق بينه وبين التّداخل واضح ، إذ التّداخل إنّما يكون في الأمور المتشابهة والمتقاربة ، أمّا التّباين فيكون في الأمور المتفاوتة كلّيًّا أو جزئيًّا .
ج - التّماثل:
4 -التّماثل: مصدر تماثل ، ومادّة مثل في اللّغة تأتي بمعنى الشّبه ، وبمعنى نفس الشّيء وذاته. والفقهاء يستعملون التّماثل بمعنى التّساوي ، كما في تماثل العددين في مسائل الإرث.
د - التّوافق:
5 -معنى التّوافق في اللّغة: الاتّفاق والتّظاهر .
وتوافق العددين: ألاّ يعدّ أقلّهما الأكثر ، ولكن يعدّهما عدد ثالث ، كالثّمانية مع العشرين ، يعدّهما أربعة ، فهما متوافقان بالرّبع ، لأنّ العدد العادّ مخرج لجزء الوفق .
محلّ التّداخل:
6 -ذكر الحنفيّة أنّ التّداخل: إمّا أن يكون في الأسباب: وإمّا أن يكون في الأحكام . والأليق بالعبادات الأوّل ، وبالعقوبات الثّاني ، وذلك ما جاء في العناية: أنّ التّداخل في العبادات إذا كان في الحكم دون السّبب كانت الأسباب باقيةً على تعدّدها ، فيلزم وجود السّبب الموجب للعبادة بدون العبادة ، وفي ذلك ترك الاحتياط فيما يجب فيه الاحتياط ، فقلنا بتداخل الأسباب فيها ليكون جميعها بمنزلة سبب واحد ترتّب عليه حكمه إذا وجد دليل الجمع وهو اتّحاد المجلس ، وأمّا العقوبات فليس ممّا يحتاط فيها ، بل في درئها احتياط فيجعل التّداخل في الحكم ، ليكون عدم الحكم مع وجود الموجب مضافًا إلى عفو اللّه وكرمه ، فإنّه هو الموصوف بسبوغ العفو وكمال الكرم .
وفائدة ذلك تظهر فيما لو تلا آية سجدة في مكان فسجدها ، ثمّ تلاها فيه مرّات فإنّه يكفيه تلك الواقعة أوّلًا ، إذ لو لم يكن التّداخل في السّبب لكانت التّلاوة الّتي بعد السّجدة سببًا ، وحكمه قد تقدّم ، وذلك لا يجوز . وأمّا في العقوبات: فإنّه لو زنى ، ثمّ زنى ثانيةً قبل أن يحدّ الأولى ، فإنّ عليه حدًّا واحدًا ، بخلاف ما لو زنى فحدّ ، ثمّ زنى فإنّه يحدّ ثانيًا .
وذكر صاحب الفروق من المالكيّة أنّ التّداخل محلّه الأسباب لا الأحكام ، ولم يفرّق في ذلك بين الطّهارات والعبادات ، كالصّلاة والصّيام والكفّارات والحدود والأموال .
بل ذكر أنّ الحدود المتماثلة إن اختلفت أسبابها كالقذف وشرب الخمر ، أو تماثلت كالزّنى مرارًا والسّرقة مرارًا والشّرب مرارًا قبل إقامة الحدّ عليه ، فإنّها من أولى الأسباب بالتّداخل ، لأنّ تكرّرها مهلك . ويظهر ممّا ذكره الحنابلة في الطّهارات وكفّارة الصّيام ، فيما لو تكرّر منه الجماع في يوم واحد قبل التّكفير ، وفي الحدود إن كانت من جنس واحد أو أجناس أنّ التّداخل عندهم أيضًا إنّما يكون في الأسباب دون الأحكام .
هذا ويظهر ممّا ذكره الزّركشيّ في المنثور أنّ التّداخل إنّما يكون في الأحكام دون الأسباب ، ولا فرق في ذلك بين العبادات والعقوبات والإتلافات .
آثار التّداخل الفقهيّة ومواطنه:
7 -ذكر القرافيّ في الفروق أنّ التّداخل وقع في الشّريعة في ستّة أبواب ، وهي الطّهارات والصّلوات والصّيام والكفّارات والحدود والأموال .
وذكر الزّركشيّ في المنثور أنّه يدخل في ضروب ، وهي: العبادات والعقوبات والإتلافات . وذكر السّيوطيّ وابن نجيم أنّه إذا اجتمع أمران من جنس واحد ، ولم يختلف مقصودهما ، دخل أحدهما في الآخر غالبًا ، كالحدث مع الجنابة . هذا والتّداخل يذكره الفقهاء في الطّهارة والصّلاة والصّوم والحجّ ، والفدية والكفّارة والعدد ، والجناية على النّفس والأطراف والدّيات ، والحدود والجزية ، وفي حساب المواريث . وبيان ذلك فيما يلي:
أوّلًا - الطّهارات:
8 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ من سنن الغسل: الوضوء قبله ، لأنّه صفة غسل النّبيّ صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة وميمونة رضي الله عنهما ونصّ حديث عائشة رضي الله عنها « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ، ثمّ يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ، ثمّ يتوضّأ وضوءه للصّلاة ، ثمّ يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشّعر ، حتّى إذا رأى أن قد استبرأ ، حفن على رأسه ثلاث حثيات ، ثمّ أفاض على سائر جسده ، ثمّ غسل رجليه » .