التعريف:
1 -من معاني الاستنجاء: الخلاص من الشّيء ، يقال: استنجى حاجته منه ، أي خلّصها . والنّجوة ما ارتفع من الأرض فلم يعلها السّيل ، فظننتها نجاءك .
وأنجيت الشّجرة واستنجيتها: قطعتها من أصلها . ومأخذ الاستنجاء في الطّهارة ،
قال شمرٌ: أراه من الاستنجاء بمعنى القطع ، لقطعه العذرة بالماء ، وقال ابن قتيبة: مأخوذٌ من النّجوة وهي ما ارتفع من الأرض ، لأنّه إذا أراد قضاء الحاجة استتر بها .
وقد اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف الاستنجاء اصطلاحًا ، وكلّها تلتقي على أنّ الاستنجاء إزالة ما يخرج من السّبيلين ، سواءٌ بالغسل أو المسح بالحجارة ونحوها عن موضع الخروج وما قرب منه . وليس غسل النّجاسة عن البدن أو عن الثّوب استنجاءً .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - الاستطابة:
2 -الاستطابة هي بمعنى الاستنجاء ، تشمل استعمال الماء والحجارة . وفي قولٍ عند الشّافعيّة أنّها خاصّةٌ باستعمال الماء ، فتكون حينئذٍ أخصّ من الاستنجاء . وأصلها من الطّيب ، لأنّها تطيّب المحلّ بإزالة ما فيه من الأذى ، ولذا يقال فيها أيضًا الإطابة .
ب - الاستجمار:
3 -الجمار: الحجارة ، جمع جمرةٍ وهي الحصاة . ومعنى الاستجمار: استعمال الحجارة ونحوها في إزالة ما على السّبيلين من النّجاسة .
ج - الاستبراء:
4 -الاستبراء لغةً طلب: البراءة ، وفي الاصطلاح: طلب البراءة من الخارج بما تعارفه الإنسان من مشيٍ أو تنحنحٍ أو غيرهما إلى أن تنقطع المادّة ، فهو خارجٌ عن ماهيّة الاستنجاء ، لأنّه مقدّمةٌ له .
د - الاستنقاء:
5 -الاستنقاء: طلب النّقاوة ، وهو أن يدلك المقعدة بالأحجار ، أو بالأصابع حالة الاستنجاء بالماء حتّى ينقّيها ، فهو أخصّ من الاستنجاء ، ومثله الإنقاء . قال ابن قدامة: هو أن تذهب لزوجة النّجاسة وآثارها .
حكم الاستنجاء:
6 -في حكم الاستنجاء - من حيث الجملة - رأيان للفقهاء:
الأوّل: أنّه واجبٌ إذا وجد سببه ، وهو الخارج ، وهو قول المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . واستدلّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجارٍ ، يستطيب بهنّ ، فإنّها تجزي عنه » وقوله: « لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجارٍ » رواه مسلمٌ وفي لفظٍ له: « لقد نهانا أن نستنجي بدون ثلاثة أحجارٍ » ، قالوا: والحديث الأوّل أمرٌ ، والأمر يقتضي الوجوب . وقال: « فإنّها تجزي عنه » والإجزاء إنّما يستعمل في الواجب ، ونهى عن الاقتصار على أقلّ من ثلاثةٍ ، والنّهي يقتضي التّحريم ، وإذا حرّم ترك بعض النّجاسة فجميعها أولى .
7 -الرّأي الثّاني: أنّه مسنونٌ وليس بواجبٍ . وهو قول الحنفيّة ، وروايةٌ عن مالكٍ . ففي منية المصلّي: الاستنجاء مطلقًا سنّةٌ لا على سبيل التّعيين من كونه بالحجر أو بالماء ، وهو قول المزنيّ من أصحاب الشّافعيّ . ونقل صاحب المغني من قول ابن سيرين فيمن صلّى بقومٍ ولم يستنج ، قال: لا أعلم به بأسًا . قال الموفّق: يحتمل أنّه لم ير وجوب الاستنجاء . واحتجّ الحنفيّة بما في سنن أبي داود من قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « من استجمر فليوتر ، من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج » قال في مجمع الأنهر: لأنّه لو كان واجبًا لما انتفى الحرج عن تاركه . واحتجّوا أيضًا بأنّه نجاسةٌ قليلةٌ ، والنّجاسة القليلة عفوٌ .
وفي السّراج الوهّاج للحنفيّة: الاستنجاء خمسة أنواعٍ . أربعةٌ فريضةٌ: من الحيض والنّفاس والجنابة ، وإذا تجاوزت النّجاسة مخرجها .
وواحدٌ سنّةٌ ، وهو ما إذا كانت النّجاسة قدر المخرج . وقد رفض ابن نجيمٍ هذا التّقسيم ، وقرّر أنّ الثّلاثة هي من باب إزالة الحدث ، والرّابع من باب إزالة النّجاسة العينيّة عن البدن ، وليس ذلك من باب الاستنجاء ، فلم يبق إلاّ القسم المسنون . وأقرّ ابن عابدين التّقرير . وقال القرافيّ بعد أن ذكر أنّ من ترك الاستنجاء وصلّى بالنّجاسة أعاد ، قال: ولمالكٍ رحمه الله في العتبية: لا إعادة عليه ، ثمّ ذكر الحديث المتقدّم: « من استجمر فليوتر ، من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج » وقال: الوتر يتناول المرّة الواحدة ، فإذا نفاها لم يبق شيءٌ ، ولأنّه محلٌّ تعمّ به البلوى فيعفى عنه ، وهذا يقتضي أنّ عند مالكٍ قولًا بعدم الوجوب . ثمّ هو عند الحنفيّة سنّةٌ مؤكّدةٌ لمواظبته صلى الله عليه وسلم . وبنى ابن عابدين على ذلك كراهة تركه ، ونقله أيضًا عن البدائع . ونقل عن الخلاصة والحلية نفي الكراهة ، بناءً على أنّه مستحبٌّ لا سنّةٌ ، بخلاف النّجاسة المعفوّ عنها في غير موضع الحدث فتركها يكره .
وقت وجوب الاستنجاء عند القائلين بوجوبه:
8 -إنّ وجوب الاستنجاء إنّما هو لصحّة الصّلاة . ولذا قال الشبراملسي من الشّافعيّة: لا يجب الاستنجاء على الفور ، بل عند القيام إلى الصّلاة حقيقةً أو حكمًا ، بأن دخل وقت الصّلاة وإن لم يرد فعلها في أوّله . فإذا دخل وقت الصّلاة وجب وجوبًا موسّعًا بسعة الوقت ، ومضيّقًا بضيقه . ثمّ قال: نعم ، إن قضى حاجته في الوقت ، وعلم أنّه لا يجد الماء في الوقت ، وجب استعمال الحجر فورًا .
علاقة الاستنجاء بالوضوء ، والتّرتيب بينهما: