التّعريف:
1 -التّحرّي في اللّغة: القصد والابتغاء ، كقول القائل: أتحرّى مسرّتك ، أي أطلب مرضاتك ، ومنه قوله تعالى: { فأولئك تَحَرَّوا رَشَدًا } أي قصدوا طريق الحقّ وتوخّوه . ومنه حديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « تحرّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر ... » الحديث . أي اعتنوا بطلبها . وفي الاصطلاح: بذل المجهود في طلب المقصود ، أو طلب الشّيء بغالب الظّنّ عند عدم الوقوف على حقيقته .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - الاجتهاد:
2 -الاجتهاد والتّحرّي لفظان متقاربا المعنى ، ومعناهما: بذل المجهود في طلب المقصود ، إلاّ أنّ لفظ الاجتهاد صار في عرف العلماء مخصوصًا ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشّريعة ، وبذل المجهود في تعرّف حكم الحادثة من الدّليل .
أمّا التّحرّي فقد يكون بدليل ، وقد يكون بمجرّد شهادة القلب من غير أمارة . فكلّ اجتهاد تحرّ ، وليس كلّ تحرّ اجتهاد .
ب - التّوخّي:
3 -التّوخّي مأخوذ من الوخى ، بمعنى القصد ، فالتّحرّي والتّوخّي سواء ، إلاّ أنّ لفظ التّوخّي يستعمل في المعاملات . كما قال صلى الله عليه وسلم للرّجلين اللّذين اختصما في المواريث: « اذهبا وتوخّيا ، واستهما ، وليحلل كلّ واحد منكما صاحبه » .
وأمّا التّحرّي فيستعمل غالبًا في العبادات . كما قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « إذا شكّ أحدكم في الصّلاة فليتحرّ الصّواب » .
ج - الظّنّ:
4 -الظّنّ: هو إدراك الطّرف الرّاجح مع احتمال النّقيض ، ففي الظّنّ يكون ترجيح أحد الأمرين على الآخر ، فإن كان بغير دليل فهو مذموم ، ويكون التّرجيح في التّحرّي بغالب الرّأي ، وهو دليل يتوصّل به إلى طرف العلم وإن كان لا يتوصّل به إلى ما يوجب حقيقة العلم ، وقد يستعمل الظّنّ بمعنى اليقين كقوله تعالى: { الّذين يظنّون أنّهم ملاقو ربّهم } .
د - الشّكّ:
5 -الشّكّ: تردّد بين احتمالين مستويين ، أي من غير رجحان لأحدهما على الآخر عند الشّاكّ . فالتّحرّي وسيلة لإزالة الشّكّ .
الحكم التّكليفيّ:
6 -التّحرّي مشروع والعمل به جائز ، والدّليل على ذلك الكتاب والسّنّة والمعقول: أمّا الكتاب: فقوله تعالى: { يا أيّها الّذين آمنوا إذا جاءكم المؤمناتُ مهاجراتٍ فامتحنوهنّ اللّه أعلمُ بإِيمانهنّ فإِن عَلِمْتُموهنَّ مُؤْمنات فلا تَرْجعوهنّ إلى الكفّار } .
وذلك يكون بالتّحرّي وغالب الرّأي ، وأطلق عليه العلم .
وأمّا السّنّة: فالحديثان السّابقان عند الكلام عن التّوخّي .
وأمّا ما يدلّ عليه من المعقول: فهو أنّ الاجتهاد في الأحكام الشّرعيّة جائز للعمل به ، وذلك عمل بغالب الرّأي ، ثمّ جعل مدركًا من مدارك أحكام الشّرع ، وإن كانت الأحكام لا تثبت به ابتداءً ، فكذلك التّحرّي مدرك من مدارك التّوصّل إلى أداء العبادات وإن كانت العبادة لا تثبت به ابتداءً .
هذا ، والتّحرّي في أحكام الشّرع ورد في مواضع كثيرة ، ويختلف حكمه باختلاف مواطنه: أوّلًا: التّحرّي لمعرفة الطّاهر من غيره حالة الاختلاط:
أ - اختلاط الأواني:
7 -إذا اختلطت الأواني الّتي فيها ماء طاهر بالأواني الّتي فيها ماء نجس ، واشتبه الأمر ، ولم يكن معه ماء طاهر سوى ذلك ، ولا يعرف الطّاهر من النّجس:
فإن كانت الغلبة للأواني الطّاهرة ، يتحرّى عند الحنفيّة وبعض الحنابلة ، لأنّ الحكم للغالب ، وباعتبار الغالب لزمه استعمال الماء الطّاهر ، وإصابته بتحرّيه مأمولة ، ولأنّ جهة الإباحة قد ترجّحت . وإن كانت الغلبة للأواني النّجسة أو كانا متساويين ، فليس له أن يتحرّى إلاّ للشّرب حالة الضّرورة ، إذ لا بديل له ، بخلاف الوضوء فإنّ له بديلًا .
وظاهر كلام أحمد وأكثر أصحابه عدم جواز التّحرّي ، وإن كثر عدد الأواني الطّاهرة .
وعند الشّافعيّة يجوز التّحرّي في الحالين ، فيتوضّأ بالأغلب ، لأنّه شرط للصّلاة ، فجاز التّحرّي من أجله كالقبلة .
وذهب المالكيّة إلى أنّه إذا كان عنده ثلاثة أوان نجسة أو متنجّسة واثنان طهوران ، واشتبهت هذه بهذه ، فإنّه يتوضّأ ثلاثة وضوآت من ثلاثة أوان عدد الأواني النّجسة ، ويتوضّأ وضوءًا رابعًا من إناء رابع ، ويصلّي بكلّ وضوء صلاةً .
وحكى ابن الماجشون من المالكيّة قولًا آخر ، وهو أنّه يتوضّأ من كلّ واحد من الأواني وضوءًا ويصلّي به . والتّفصيل في مصطلح ( اشتباه ) .
ب - اختلاط الثّياب:
8 -إذا اشتبهت على الشّخص ثياب طاهرة بنجسة ، وتعذّر التّمييز بينها ، وليس معه ثوب طاهر بيقين غيرها ، ولا ما يغسلها به ، ولا يعرف الطّاهر من النّجس ، واحتاج إلى الصّلاة ، فإنّه يتحرّى عند الحنفيّة ، وهو المشهور عند المالكيّة والشّافعيّة ما عدا المزنيّ ، ويصلّي في الّذي يقع تحرّيه على أنّه طاهر ، سواء أكانت الغلبة للثّياب النّجسة أم الطّاهرة ، أو كانا متساويين . وقال الحنابلة ، وابن الماجشون من المالكيّة: لا يجوز التّحرّي ، ويصلّي في ثياب منها بعدد النّجس منها ، ويزيد صلاةً في ثوب آخر .
وقال ابن عقيل من الحنابلة: يتحرّى في أصحّ الوجهين دفعًا للمشقّة .
وقال أبو ثور والمزنيّ: لا يصلّي في شيء منها ، كقولهما في الأواني .
ج - اختلاط المذكّاة بالميتة:
9 -إذا اختلطت المذكّاة بالميتة ، فذهب الحنفيّة إلى أنّه يجوز التّحرّي في حالة الاضطرار مطلقًا ، أي سواء أكانت الغلبة للمذكّاة أم للميتة أو تساويا .
وفي حالة الاختيار لا يجوز التّحرّي إلاّ إذا كانت الغلبة للحلال .
وأمّا الأئمّة الثّلاثة فلا يجوز عندهم التّحرّي مطلقًا في هذا المجال .
د - التّحرّي في الحيض: