فهرس الكتاب

الصفحة 541 من 2053

10 -إذا نسيت امرأة عدد أيّام حيضها وموضعها ، واشتبه عليها حالها في الحيض والطّهر فالمتبادر من أقوال جمهور الفقهاء أنّ عليها أن تتحرّى ، فإن وقع أكبر رأيها على أنّها حائض أعطيت حكمه ، وإن وقع أكبر رأيها على أنّها طاهرة أعطيت حكم الطّاهرات ، لأنّ غلبة الظّنّ من الأدلّة الشّرعيّة .

وأمّا إذا تحيّرت ولم يغلب على ظنّها شيء ، فهي المتحيّرة أو المضلّة ، فعليها الأخذ بالأحوط في الأحكام . ولتفصيل أحكامها يرجع إلى مصطلح ( حيض ، استحاضة ) .

ثانيًا: معرفة القبلة بالاستدلال والتّحرّي:

11 -إنّ المصلّي إذا كان قادرًا على استقبال القبلة ، وكان بمكّة وفي حال مشاهدة الكعبة ومعاينته لها ، فلا خلاف بين الفقهاء في أنّ عليه التّوجّه إلى عين الكعبة ، ومقابلة ذاتها . وإن كان نائيًا عن الكعبة غائبًا عنها: فذهب الحنفيّة إلى أنّه يكفيه استقبال جهة الكعبة باجتهاد ، وليس عليه إصابة العين ، وهو الأظهر عند المالكيّة والحنابلة ، وهو قول للشّافعيّ .

والأظهر عند الشّافعيّة ، وهو قول للمالكيّة ، ورواية عن الحنابلة: أنّه تلزمه إصابة العين . ولا يجوز الاجتهاد عند جمهور الفقهاء مع وجود محاريب الصّحابة ، وكذلك محاريب المسلمين الّتي تكرّرت الصّلوات إليها .

كما أنّه لا يجوز الاجتهاد إذا كان بحضرته من يسأله من أهل المكان العالم بها ، بشرط كونه مقبول الشّهادة ، فالذّمّيّ والجاهل والفاسق والصّبيّ لا يعتدّ بإخباره في هذا المجال .

فإذا عجز المصلّي عن إصابة عين الكعبة والتّوجّه إلى جهتها استدلالًا بالمحاريب المنصوبة القديمة ، أو سؤال من هو عالم بالقبلة ، ممّن تقبل شهادته من أهل المكان: فإن كان من أهل الاجتهاد في أمر القبلة ، فعليه الاجتهاد . والمجتهد في القبلة هو: العالم بأدلّتها وهي: النّجوم ، والشّمس ، والقمر ، والرّياح ، والجبال ، والأنهار وغير ذلك من الوسائل والمعالم ، وإن كان جاهلًا بأحكام الشّرع . فإنّ كلّ من علم بأدلّة شيء كان من المجتهدين فيه ، وإن جهل غيره . وإن كان غير عالم بأدلّتها ، أو كان أعمى فهو مقلّد وإن علم غيرها . فالمصلّي القادر على الاجتهاد إن صلّى بغير اجتهاد ، فالمتبادر من أقوال جمهور الفقهاء أنّه لا تجوز صلاته ، وإن وقعت إلى القبلة ، وكذلك إذا أدّاه الاجتهاد إلى جهة فصلّى إلى غيرها ، ثمّ تبيّن أنّه صلّى إلى الكعبة ، فصلاته باطلة عند الأئمّة الأربعة ، لتركه الواجب ، كما لو صلّى ظانًّا أنّه محدث ثمّ تبيّن أنّه متطهّر . ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلح: ( استقبال ) .

12 -من عجز عن معرفة القبلة بالاستدلال ، بأن خفيت عليه الأدلّة لحبس أو غيم ، أو التبست عليه أو تعارضت ، ولم يكن هناك من يخبره اختلف الفقهاء في ذلك ، فذهب الحنفيّة والحنابلة ، وهو المعتمد عند المالكيّة: إلى أنّ عليه التّحرّي وتصحّ صلاته ، لأنّ التّكليف بحسب الوسع والإمكان ، وليس في وسعه إلاّ التّحرّي . والمشهور عند الشّافعيّة أنّه يصلّي كيف كان لحرمة الوقت ، سواء أكان في الوقت سعة أم لا ، ويقضي لندرة حصول ذلك . والأصل في هذا الباب ما روي عن عامر بن ربيعة أنّه قال: « كنّا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة ، فلم ندر أين القبلة ، فصلّى كلّ رجل منّا على خياله ، فلمّا أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم فنزل قول اللّه تعالى: { فأينما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجهُ اللّه } » وقال عليّ رضي الله تعالى عنه:"قبلة المتحرّي جهة قصده".

ثالثًا: التّحرّي في الصّلاة:

13 -من شكّ في الصّلاة فلا يدري كم صلّى ، فعند الحنفيّة إن كان يعرض له الشّكّ كثيرًا في الصّلاة ، وكان له رأي تحرّى ، وبنى على أكبر رأيه ، لقوله عليه الصلاة والسلام:

« من شكّ في الصّلاة فليتحرّ الصّواب » .

وعند المالكيّة يبني على الأقلّ ، ويأتي بما شكّ فيه مطلقًا .

وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إذا شكّ في أثناء الصّلاة فعليه الأخذ بالأقلّ ، ويسجد للسّهو . ولو شكّ بعد السّلام فقولان عندهم:

أحدهما: أن يقوم إلى التّدارك ، كأنّه لم يسلّم .

والثّاني: أنّه لا يعتبر بعد الفراغ لما فيه من العسر .

وأمّا الحنابلة فيفرّقون بين الإمام والمنفرد في المشهور من مذهبهم . فمن كان إمامًا وشكّ فلم يدر كم صلّى تحرّى وبنى على غالب ظنّه ، وأمّا المنفرد فيبني على اليقين ( الأقلّ ) ، وفي رواية يبني على غالب ظنّه كالإمام ، هذا إذا كان له رأي ، أمّا إذا استوى عنده الأمران بنى على اليقين إمامًا كان أو منفردًا .

رابعًا: التّحرّي في الصّوم:

14 -من كان محبوسًا أو كان في بعض النّواحي النّائية عن الأمصار ، أو بدار حرب بحيث لا يمكنه التّعرّف على الأشهر بالخبر واشتبه عليه شهر رمضان: فقد اتّفق الفقهاء على أنّه يجب عليه التّحرّي والاجتهاد في معرفة شهر رمضان ، لأنّه أمكنه تأدية فرض بالتّحرّي والاجتهاد ، فلزمه كاستقبال القبلة .

فإذا غلب على ظنّه عن أمارة تقوم في نفسه دخول شهر رمضان صامه ، ثمّ إن تبيّن أنّه أصاب شهر رمضان ، أو لم ينكشف له الحال أجزأه في قول عامّة الفقهاء ، لأنّه أدّى فرضه بالاجتهاد ، وأدرك ما هو المقصود بالتّحرّي .

وإن تبيّن أنّه صام شهرًا قبله ، فذهب الأئمّة الثّلاثة ، والشّافعيّة في الصّحيح من المذهب أنّه لا يجزئه ، لأنّه أدّى العبادة قبل وجود سبب وجوبها فلم تجزئه كمن صلّى قبل الوقت . وعند الشّافعيّة قول في القديم في حالة تبيّن الأمر بعد رمضان أنّه يجزئ ، لأنّه عبادة تفعل في السّنة مرّةً ، فجاز أن يسقط فرضها بالفعل قبل الوقت عند الخطأ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت