التّعريف:
1-التّسويد مصدر سوّد ، يقال: سوّد تسويدًا . والتّسويد يأتي بمعنى التّلوين بالسّواد - وهو ضدّ البياض - يقال: سوّد الشّيء أي: جعله أسود .
ويأتي التّسويد من السّيادة ، فيكون بمعنى: التّشريف ، يقال: سوّده قومه تسويدًا أي: جعلوه سيّدًا عليهم . وفي المصباح: ساد يسود سيادةً ، والاسم السّؤدد ، وهو: المجد والشّرف ، فهو سيّد والأنثى سيّدة .
والسّيّد: المتولّي للسّواد أي الجماعة ، وينسب إلى ذلك فيقال: سيّد القوم . ولمّا كان من شرط المتولّي للجماعة أن يكون مهذّب النّفس ، قيل لكلّ من كان فاضلًا في نفسه: سيّد . ويطلق السّيّد على الرّبّ ، والمالك ، والحليم ، ومحتمل أذى قومه ، والزّوج ، والرّئيس ، والمقدّم . ويأتي التّسويد - أيضًا - لنوع من المداواة ، قال في اللّسان نقلًا عن أبي عبيد: ويقال: سوّد الإِبل تسويدًا: إذا دقّ المِسح البالي من شعر فداوى به أدبارها .
والتّسويد في الاصطلاح يريد به الفقهاء المعنيين الأوّلين غالبًا .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - التّبييض:
2 -التّبييض: مصدر بيّض ، يقال: بيّض الشّيء أي جعله أبيض ، ضدّ سوّده .
والبياض ضدّ السّواد ، والبيّاض: الرّجل الّذي يبيّض الثّياب . والمبيِّضة: أصحاب البياض ، وهم فرقة من الثّنويّة سمّوا كذلك لتبييضهم الثّياب ، مخالفةً للمسوّدة من العبّاسيّين .
ب - التّعظيم:
3 -التّعظيم: مصدر عظّم ، يقال: عظّمه تعظيمًا أي: كبّره وفخّمه .
والتّعظيم يكون باعتبار الوصف والكيفيّة ، ويقابله التّحقير فيهما بحسب المنزلة والرّتبة .
ج - التّفضيل:
4 -التّفضيل: مصدر فضّل ، يقال: فضّلته على غيره تفضيلًا أي: صيّرته أفضل منه ، وفضّله أي مزّاه . والتّفضيل دون التّسويد - بمعنى السّيادة - لكنّه سبب له وطريق إليه .
د - التّكريم:
5 -التّكريم: أن يوصل إلى الإنسان نفع لا يلحقه فيه غضاضة ، أو أن يجعل ما يوصل إلى الإنسان شيئًا كريمًا أي شريفًا . وهو مصدر كرّم ، يقال: كرّمه تكريمًا أي عظّمه ونزّهه . والإكرام والتّكريم بمعنًى ، والكرم ضدّ اللّؤم .
الحكم التّكليفيّ:
6 -يختلف حكم التّسويد باختلاف معناه ومبحثه الفقهيّ .
فالتّسويد يأتي بمعنى: السّيادة ، ويبحث حكمه في مواطن منها: تسويد النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الصّلاة وفي غيرها ، وتسويد غيره صلى الله عليه وسلم وتسويد المنافق . ويأتي التّسويد بمعنى: التّلوين بالسّواد ، ويبحث حكمه في مواطن منها: التّعزير ، والخضاب ، والحداد ، والتّعزية ، واللّباس والعمامة ، وشعر المبيع .
أوّلًا
التّسويد من السّيادة
تسويد النّبيّ صلى الله عليه وسلم:
اختلف الفقهاء في حكم تسويد النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الصّلاة ، وحكم تسويده صلى الله عليه وسلم في غير الصّلاة .
أ - في الصّلاة:
7 -ورد لفظ الصّلوات الإبراهيميّة في كتب الحديث والفقه مأثورًا عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم من غير ذكر"سيّدنا"قبل اسمه عليه الصلاة والسلام .
وأمّا إضافة لفظ"سيّدنا"فرأى من لم يقل بزيادتها الالتزام بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم لأنّ فيه امتثالًا لما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من غير زيادة في الأذكار والألفاظ المأثورة عنه ، كالأذان والإقامة والتّشهّد والصّلاة الإبراهيميّة .
وأمّا بخصوص زيادة"سيّدنا"في الصّلاة الإبراهيميّة بعد التّشهّد ، فقد ذهب إلى استحباب ذلك بعض الفقهاء المتأخّرين كالعزّ بن عبد السّلام والرّمليّ والقليوبيّ والشّرقاويّ من الشّافعيّة ، والحصكفيّ وابن عابدين من الحنفيّة متابعةً للرّمليّ الشّافعيّ ، كما صرّح باستحبابه النّفراويّ من المالكيّة . وقالوا: إنّ ذلك من قبيل الأدب ، ورعاية الأدب خير من الامتثال ، كما قال العزّ بن عبد السّلام .
ب - في غير الصّلاة:
8 -أجمع المسلمون على ثبوت السّيادة للنّبيّ صلى الله عليه وسلم وعلى عَلَمِيَّتِه في السّيادة . قال الشّرقاويّ: فلفظ"سيّدنا"علم عليه صلى الله عليه وسلم .
ومع ذلك خالف بعضهم وقالوا: إنّ لفظ السّيّد لا يطلق إلاّ على اللّه تعالى ، لما روي عن أبي نضرة عن مطرّف قال: قال أبي: « انطلقت في وفد بني عامر إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيّدنا ، فقال: السّيّد اللّه تبارك وتعالى . قلنا: وأفضلنا فضلًا وأعظمنا طولًا ، قال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم ، ولا يسخر بكم الشّيطان » . وفي حديث آخر
« أنّه جاءه رجل فقال: أنت سيّد قريش ، فقال صلى الله عليه وسلم: السّيّد اللّه » .
قال ابن الأثير في النّهاية: أي هو الّذي يحقّ له السّيادة ، كأنّه كره أن يحمد في وجهه ، وأحبّ التّواضع . ومنه الحديث لما قالوا: أنت سيّدنا ، قال: « قولوا بقولكم » أي ادعوني نبيًّا ورسولًا كما سمّاني اللّه ، ولا تسمّوني سيّدًا كما تسمّون رؤساءكم ، فإنّي لست كأحدهم ممّن يسودكم في أسباب الدّنيا .
وأضاف ابن مفلح إلى ما سبق: والسّيّد يطلق على الرّبّ ، والمالك ، والشّريف ، والفاضل ، والحكيم ، ومتحمّل أذى قومه ، والزّوج ، والرّئيس ، والمقدّم .