التّعريف:
1 -التّعبّديّ لغة: المنسوب إلى التّعبّد .
والتّعبّد مصدر تعبّد ، يقال: تعبّد الرّجلُ الرّجل: إذا اتّخذه عبدًا ، أو صيّره كالعبد .
وتعبّد اللّه العبدَ بالطّاعة: استعبده ، أي طلب منه العبادة . ومعنى العبادة في اللّغة: الطّاعة والخضوع . ومنه طريق معبّد: إذا كان مذلّلًا بكثرة المشي فيه . ويرد التّعبّد في اللّغة أيضًا بمعنى: التّذلّل ، يقال: تعبّد فلان لفلان: إذا خضع له وذلّ . وبمعنى التّنسّك ، يقال: تعبّد فلان للّه تعالى: إذا أكثر من عبادته ، وظهر فيه الخشوع والإخبات . والتّعبّد من اللّه للعباد: تكليفهم أمور العبادة وغيرها . ويكثر الفقهاء والأصوليّون من استعماله بهذا المعنى ، كقولهم: نحن متعبّدون بالعمل بخبر الواحد وبالقياس ، أي مكلّفون بذلك . ويقولون: كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم متعبّدا بشرع من قبله ، أي مكلّفًا بالعمل به .
2 -والتّعبّديّات - في اصطلاح الفقهاء والأصوليّين - تطلق على أمرين:
الأوّل: أعمال العبادة والتّنسّك. ويرجع لمعرفة أحكامها بهذا المعنى إلى مصطلح ( عبادة ) . الثّاني: الأحكام الشّرعيّة الّتي لا يظهر للعباد في تشريعها حكمة غير مجرّد التّعبّد ، أي التّكليف بها ، لاختبار عبوديّة العبد ، فإن أطاع أثيب ، وإن عصى عوقب .
والمراد بالحكمة هنا: مصلحة العبد من المحافظة على نفسه أو عرضه أو دينه أو ماله أو عقله . أمّا مصلحته الأخرويّة - من دخول جنّة اللّه تعالى والخلاص من عذابه - فهي ملازمة لتلبية كلّ أمر أو نهي ، تعبّديّا كان أو غيره .
3 -هذا هو المشهور في تعريف التّعبّديّات . وقد لاحظ الشّاطبيّ في موافقاته أنّ حكمة الحكم قد تكون معلومة على وجه الإجمال ، ولا يخرجه ذلك عن كونه تعبّديّا من بعض الوجوه ، ما لم يعقل معناه على وجه الخصوص . قال: ومن ذلك: طلب الصّداق في النّكاح ، والذّبح في المحلّ المخصوص في الحيوان المأكول ، والفروض المقدّرة في المواريث ، وعدد الأشهر في عدّة الطّلاق والوفاة ، وما أشبه ذلك من الأمور الّتي لا مجال للعقول في فهم مصالحها الجزئيّة ، حتّى يقاس عليها غيرها . فإنّا نعلم أنّ الشّروط المعتبرة في النّكاح ، من الوليّ والصّداق وشبه ذلك ، هي لتمييز النّكاح عن السّفاح ، وأنّ فروض المواريث ترتّبت على ترتيب القربى من الميّت ، وأنّ العدد والاستبراءات ، المراد بها استبراء الرّحم خوفا من اختلاط المياه ، ولكنّها أمور جمليّة ، كما أنّ الخضوع والإجلال علّة شرع العبادات . وهذا المقدار لا يقضي بصحّة القياس على الأصل فيها ، بحيث يقال: إذا حصل الفرق بين النّكاح والسّفاح بأمور أخر مثلا ، لم تشترط تلك الشّروط .
ومتى علم براءة الرّحم لم تشرع العدّة بالأقراء ولا بالأشهر ، ولا ما أشبه ذلك .
4 -هذا وقد اختلفت الفقهاء في أنّ التّعبّديّات شُرِعت لنا لحكمة يعلمها اللّه تعالى وخفيت علينا ، أو إنّها شُرِعت لا لحكمة أصلًا غيرَ مجرّد تعبّد اللّه للعباد واستدعائه الامتثال منهم ، اختبارًا لطاعة العبد لمجرّد الأمر والنّهي من غير أن يعرف وجه المصلحة فيما يعمل ، بمنزلة سيّد أراد أن يختبر عبيده أيّهم أطوع له ، فأمرهم بالتّسابق إلى لمس حجر ، أو الالتفات يمينًا أو يسارًا ممّا لا مصلحة فيه غير مجرّد الطّاعة .
5 -قال ابن عابدين نقلًا عن الحلية: أكثر العلماء على القول الأوّل ، وهو المتّجه ، بدلالة استقراء تكاليف اللّه تعالى على كونها جالبة للمصالح دارئة للمفاسد .
وكذلك الشّاطبيّ في موافقاته اعتمد الاستقراء دليلًا على أنّ كلّ الأحكام الشّرعيّة معلّلة بمصالح العباد في الدّنيا والآخرة ، وقال: إنّ المعتزلة متّفقون على أنّ أحكامه معلّلة برعاية مصالح العباد ، وهو اختيار أكثر الفقهاء المتأخّرين . قال: ولمّا اضطرّ الرّازيّ إلى إثبات العلل للأحكام الشّرعيّة أثبت ذلك على أنّ العلل بمعنى العلامات المعرّفة للأحكام . وذكر الشّاطبيّ من الأدلّة الّتي استقرأها قوله تعالى في شأن الوضوء والغسل { مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون } .
وفي الصّيام { كُتِبَ عَلَيكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ على الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } .
وفي القصاص { وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } وآيات نحو هذه .