التعريف:
1 -الإغماء: مصدر ( أغمي على الرّجل ) مبنيٌّ للمفعول ، والإغماء مرضٌ يزيل القوى ويستر العقل ، وقيل: فتورٌ عارضٌ لا بمخدّرٍ يزيل عمل القوى .
ولا يخرج التعريف الاصطلاحيّ عن هذا .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - النّوم:
2 -عرّف الجرجانيّ النّوم بأنّه: حالةٌ طبيعيّةٌ تتعطّل معها القوى مع سلامتها .
فبينه وبين الإغماء اشتراكٌ واختلافٌ في تعطّل القوى ، ويختلفان في أنّ الإغماء من المرض ، والنّوم مع السّلامة .
ب - العته:
3 -العته: علّةٌ ناشئةٌ عن الذّات ، توجب خللًا في العقل ، فيصير صاحبه مختلط العقل ، فيشبه بعض كلامه كلام العقلاء ، وبعضه كلام المجانين ، فالفرق بينه وبين الإغماء: أنّ الإغماء مؤقّتٌ ، والعته مستمرٌّ غالبًا ، والإغماء يزيل القوى كلّها ، والعته يضعف القوى المدركة .
ج - الجنون:
4 -الجنون: مرضٌ يزيل العقل ، ويزيد القوى غالبًا ، والفرق بينه وبين الإغماء أنّ الجنون يسلب العقل بخلاف الإغماء فإنّه يجعل من وقع به مغلوبًا لا مسلوب العقل .
وهناك ألفاظٌ أخرى ذات صلةٍ بالإغماء ، كالسّكر والصّرع والغشي ، تنظر في مواطنها من أصول الفقه عند الكلام على عوارض الأهليّة ، ويتكلّم عنها الفقهاء في نواقض الوضوء والجنايات ، والطّلاق والبيع ونحوه من العقود .
أثر الإغماء في الأهليّة:
5 -الإغماء لا يؤثّر في أهليّة الوجوب لأنّ مناطها الإنسانيّة ، أمّا أهليّة الأداء فإنّه ينافيها ، لأنّ مدارها العقل ، وهو مغلوبٌ على عقله ، وتفصيله في الملحق الأصوليّ .
أثر الإغماء في العبادات البدنيّة:
أ - في الوضوء والتّيمّم:
6 -أجمع الفقهاء على أنّ الإغماء ناقضٌ للوضوء قياسًا على النّوم ، بل هو أولى ، لأنّ النّائم إذا أوقظ استيقظ بخلاف المغمى عليه .
ونصّ الفقهاء على أنّ كلّ ما يبطل الوضوء يبطل التّيمّم .
ب - أثر الإغماء في سقوط الصّلاة:
7 -ذهب المالكيّة والشّافعيّة ، وهو قولٌ عند الحنابلة ، إلى أنّ المغمى عليه لا يلزمه قضاء الصّلاة إلاّ أن يفيق في جزءٍ من وقتها ، مستدلّين بأنّ أمّ المؤمنين « عائشة رضي الله عنها سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الرّجل يغمى عليه فيترك الصّلاة ، فقال صلى الله عليه وسلم: ليس من ذلك قضاءٌ ، إلاّ أن يغمى عليه فيفيق في وقتها فيصلّيها » .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن أغمي عليه خمس صلواتٍ قضاها ، وإن زادت سقط فرض القضاء في الكلّ ، لأنّ ذلك يدخل في التّكرار فأسقط القضاء كالجنون ، وقال محمّدٌ: يسقط القضاء إذا صارت الصّلوات ستًّا ودخل في السّابعة ، لأنّ ذلك هو الّذي يحصل به التّكرار . لكنّ أبا حنيفة وأبا يوسف أقاما الوقت مقام الصّلوات تيسيرًا فتعتبر الزّيادة بالسّاعات .
وذهب الحنابلة في المشهور عندهم إلى أنّ المغمى عليه يقضي جميع الصّلوات الّتي كانت في حال إغمائه ، مستدلّين بما روي أنّ عمّارًا غشي عليه أيّامًا لا يصلّي ، ثمّ استفاق بعد ثلاثٍ ، فقال ( أي عمّارٌ ) : هل صلّيت ؟ فقالوا: ما صلّيت منذ ثلاثٍ ، فقال: أعطوني وضوءًا فتوضّأ ثمّ صلّى تلك اللّيلة . وروى أبو مجلزٍ أنّ سمرة بن جندبٍ قال: المغمى عليه يترك الصّلاة يصلّي مع كلّ صلاةٍ صلاةً مثلها قال: قال عمران: زعم ، ولكن ليصلّهنّ جميعًا ، وروى الأثرم هذين الحديثين في سننه وهذا فعل الصّحابة وقولهم ، ولا يعرف لهم مخالفٌ فكان إجماعًا . ولأنّ الإغماء لا يسقط فرض الصّيام ، ولا يؤثّر في استحقاق الولاية على المغمى عليه فأشبه النّوم .
ج - أثر الإغماء في الصّيام:
8 -أجمع الفقهاء على أنّ الإغماء لا يسقط قضاء الصّيام ، فلو أغمي على شخصٍ جميع الشّهر ، ثمّ أفاق بعد مضيّه يلزمه القضاء إن تحقّق ذلك ، وهو نادرٌ والنّادر لا حكم له ، إلاّ عند الحسن البصريّ فإنّه يقول: سبب وجوب الأداء لم يتحقّق في حقّه لزوال عقله بالإغماء ، ووجوب القضاء يبتني على وجوب الأداء .
واستدلّ فقهاء المذاهب بأنّ الإغماء عذرٌ في تأخير الصّوم إلى زواله لا في إسقاطه ، لأنّ سقوطه يكون بزوال الأهليّة أو بالحرج ، ولا تزول الأهليّة به ولا يتحقّق الحرج به ، لأنّ الحرج إنّما يتحقّق فيما يكثر وجوده ، وامتداده في حقّ الصّوم نادرٌ ، لأنّه مانعٌ من الأكل والشّرب . وحياة الإنسان شهرًا بدون الأكل والشّرب لا يتحقّق إلاّ نادرًا فلا يصلح لبناء الحكم عليه .
9 -ومن نوى الصّوم من اللّيل فأغمي عليه قبل طلوع الفجر فلم يفق حتّى غربت الشّمس ، فقد قال الشّافعيّة والحنابلة: لا يصحّ صومه لأنّ الصّوم هو الإمساك مع النّيّة . قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « يقول اللّه تعالى: كلّ عمل ابن آدم له إلاّ الصّوم فإنّه لي وأنا أجزي به ، يدع طعامه وشرابه من أجلي » فأضاف ترك الطّعام والشّراب إليه . فإذا كان مغمًى عليه فلا يضاف الإمساك إليه فلم يجزه . وقال أبو حنيفة: يصحّ صومه لأنّ النّيّة قد صحّت وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحّة الصّوم كالنّوم .
ومن أغمي عليه بعد أن نوى الصّيام وأفاق لحظةً في النّهار أجزأه الصّوم ، أيّ لحظةٍ كانت ، اكتفاءً بالنّيّة مع الإفاقة في جزءٍ ، لأنّ الإغماء في الاستيلاء على العقل فوق النّوم ودون الجنون . فلو قيل: إنّ المستغرق منه لا يضرّ لألحق الأقوى بالأضعف . ولو قيل: إنّ اللّحظة منه تضرّ كالجنون لألحق الأضعف بالأقوى فتوسّط بين الأمرين . وقيل: إنّ الإفاقة في أيّ لحظةٍ كافيةٌ . وفي قولٍ ثانٍ للشّافعيّة: إنّ الإغماء يضرّ مطلقًا قلّ أو كثر .
د - أثره في الحجّ: