فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 2053

10 -الإغماء كما تقدّم من عوارض الأهليّة . فالمغمى عليه لا يتأتّى منه أداء أفعال الحجّ ، ولكن هل يصحّ إحرام الغير عنه بدون إذنٍ منه ؟ وهل إذا أناب أحدًا تقبل الإنابة ؟

قال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة: إنّ المغمى عليه لا يحرم عنه غيره ، لأنّه ليس بزائل العقل وبرؤه مرجوٌّ على القرب . ولو أيس من برئه بأن زاد إغماؤه على ثلاثة أيّامٍ فعند الشّافعيّة يحرم الوليّ عنه في المعتمد ، وقاسوا ذلك على أنّه ليس لأحدٍ أن يتصرّف في ماله وإن لم يبرأ .

ومن يرجى برؤه ليس لأحدٍ أن ينوب عنه ، وإن فعل لم يجزئه عند الشّافعيّة والحنابلة ، لأنّه يرجو القدرة على الحجّ بنفسه ، فلم يكن له الاستنابة ولا تجزئه إن وقعت ، وفارق الميئوس من برئه ، لأنّه عاجزٌ على الإطلاق آيسٌ من القدرة على الأصل فأشبه الميّت . وعند أبي حنيفة أنّ من أغمي عليه فأهلّ عنه رفقاؤه جاز . وقال الصّاحبان: لا يجوز . ولو أمر إنسانًا بأن يحرم عنه إذا أغمي عليه ، أو نام فأحرم المأمور عنه صحّ بإجماع الحنفيّة ، حتّى إذا أفاق أو استيقظ وأتى بأفعال الحجّ جاز . استدلّ الصّاحبان على الأوّل بأنّه لم يحرم بنفسه ولا أذن لغيره به وهذا لأنّه لم يصرّح بالإذن ، والدّلالة تقف على العلم وجواز الإذن به لا يعرفه كثيرٌ من الفقهاء فكيف يعرفه العوامّ ؟ بخلاف ما لو أمر غيره بذلك صريحًا . ولأبي حنيفة أنّه لمّا عاقد رفقاءه عقد الرّفقة فقد استعان بكلّ واحدٍ منهم فيما يعجز عن مباشرته بنفسه ، والإحرام هو المقصود بهذا السّفر ، فكان الإذن به ثابتًا دلالةً ، والعلم ثابتٌ نظرًا إلى الدّليل ، والحكم يدار عليه .

وعند المالكيّة أنّه لا يصحّ الإحرام عن المغمى . عليه ولو خيف فوات الحجّ ، لأنّه مظنّة عدم الطّول ثمّ إن أفاق في زمنٍ يدرك الوقوف فيه أحرم وأدرك ولا دم عليه في عدم إحرامه من الميقات .

11 -أمّا بالنّسبة للوقوف بعرفة ، فالكلّ مجمعٌ على أنّه لو أفاق المغمى عليه في زمن الوقوف ولو لحظةً أجزأه . وإن لم يفق من إغمائه إلاّ بعد الوقوف فمذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه فاته الحجّ في ذلك العام ، ولا عبرة بإحرام أصحابه عنه ووقوفهم في عرفة . وللشّافعيّة قولان في إجزاء وقوف المغمى عليه أو عدمه .

والحنفيّة يكتفون بالكينونة في محلّ الوقوف وزمنه مع سبق الإحرام ، فوقوف المغمى عليه مجزئٌ . أمّا أثر الإغماء على باقي أعمال الحجّ فينظر في الحجّ .

أثر الإغماء على الزّكاة:

12 -المغمى عليه بالغٌ عاقلٌ فتجب في ماله الزّكاة ، فإذا أغمي عليه بعد وجوبها فلا يتأتّى منه الأداء ، وعليه إذا أفاق قضاؤها ولو امتدّ به الإغماء ، إذ امتداده نادرٌ والنّادر لا حكم له .

أثر الإغماء في التّصرّفات القوليّة:

13 -ذهب الفقهاء إلى أنّ الإغماء كالنّوم بل أشدّ منه في فوت الاختيار ، لأنّ النّوم يمكن إزالته بالتّنبيه بخلاف الإغماء . وتبطل عبادات النّائم في الطّلاق والإسلام والرّدّة والبيع والشّراء . فبطلانها بالإغماء أولى .

واستدلّوا على عدم وقوع طلاق المغمى عليه بأحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم: « كلّ الطّلاق جائزٌ إلاّ طلاق المعتوه والمغلوب على عقله » وقوله صلى الله عليه وسلم: « رفع القلم عن ثلاثةٍ ، عن النّائم حتّى يستيقظ ، وعن الصّبيّ حتّى يشبّ ، وعن المعتوه حتّى يعقل » ، وقد أجمعوا على أنّ الرّجل إذا طلّق في حال نومه لا طلاق له ، والمغمى عليه أشدّ حالًا من النّائم . وقال الإمام أحمد في المغمى عليه إذا طلّق فلمّا أفاق علم أنّه كان مغمًى عليه وهو ذاكرٌ لذلك قال: إذا كان ذاكرًا لذلك فليس هو مغمًى عليه ، يجوز طلاقه ، ومثل ما ذكر كلّ تصرّفٍ قوليٍّ .

أثر الإغماء في عقود المعاوضة:

14 -كلّ تصرّفٍ قوليٍّ يصدر في حال الإغماء فهو باطلٌ ، لكن إذا تمّ التّصرّف في حال الصّحّة ثمّ طرأ الإغماء لا ينفسخ لتمامه في حالٍ تصحّ فيها . ولا تصحّ وصيّة المغمى عليه في حالة الإغماء المؤقّت ، ولا المغمى عليه الّذي يئس من إفاقته .

إغماء وليّ النّكاح:

15 -قال الشّافعيّة: إذا أغمي على وليّ النّكاح الأقرب فننتظر إفاقته إن كانت قريبةً كيومٍ ويومين وأكثر ، لأنّ من أصول مذهبهم عدم جواز تزويج الوليّ الأبعد مع جمع وجود الوليّ الأقرب ، وقيل: تنتقل الولاية إلى الأبعد .

قالوا: الأحسن في هذا ما قال إمام الحرمين: إن كانت مدّة الإغماء بحيث يعتبر فيها إذن الوليّ الغائب ذهابًا وإيابًا انتظر وإلاّ قام الحاكم بالتّزويج . قال الزّركشيّ: لأنّه إذا زوّج الحاكم مع صحّة عبارة الغائب فمع تعذّر ذلك بإغمائه أولى .

إغماء القاضي:

16 -صرّح الشّافعيّة بأنّ القاضي إذا أغمي عليه فإنّه ينعزل عن ولاية القضاء ، وإذا أفاق لا تعود ولايته على الأصحّ ، ولا ينفذ قضاؤه فيما حكم فيه حال إغمائه ، وفي مقابل الأصحّ تعود ولايته إذا أفاق .

أمّا غير الشّافعيّة فإنّهم لم ينصّوا على ذلك صراحةً ، إلاّ أنّ مفهوم النّصوص عندهم تدلّ على أنّ القاضي لا ينعزل بالإغماء ، فقد جاء في ابن عابدين: لو فسق القاضي أو ارتدّ أو عمي ثمّ صلح وأبصر فهو على قضائه . وفي الشّرح الصّغير: لا يعزل القاضي إلاّ بالكفر فقط . وفي شرح منتهى الإرادات: يتعيّن عزل القاضي مع مرضٍ يمنعه من القضاء لدعاء الحاجة إلى إقامة غيره .

أثر الإغماء في التّبرّعات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت