فهرس الكتاب

الصفحة 446 من 2053

وفي المجموع:

( فَرْعٌ ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي وَقْتِ الْعُمْرَةِ . قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُهَا فِي جَمِيعِ السَّنَةِ , وَلَا تُكْرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا , وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد , وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ , تُكْرَهُ الْعُمْرَةُ , وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ حَتَّى يَثْبُتَ النَّهْيُ الشَّرْعِيُّ , وَلَمْ يَثْبُتْ هَذَا الْخَبَرُ ; وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ الْقِرَانُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ بِلَا كَرَاهَةٍ , فَلَا يُكْرَهُ إفْرَادُ الْعُمْرَةِ فِيهِ كَمَا فِي جَمِيعِ السَّنَةِ ; وَلِأَنَّ كُلَّ وَقْتٍ لَا يُكْرَهُ فِيهِ اسْتِدَامَةُ الْعُمْرَةِ لَا يُكْرَهُ فِيهِ إنْشَاؤُهَا كَبَاقِي السَّنَةِ . ( وَأَمَّا ) قَوْلُ عَائِشَةَ ( فَأَجَابَ ) أَصْحَابُنَا عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ أَجْوَدُهَا أَنَّهُ بَاطِلٌ لَا يُعْرَفُ عَنْهَا , وَلَمْ يَذْكُرْهُ عَنْهَا أَحَدٌ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ , وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ قَوْلُ صَحَابِيٍّ لَمْ يُشْتَهَرْ , فَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ , وَلَوْ صَحَّ وَاشْتُهِرَ لَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى مَنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِالْحَجِّ ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُمْ: إنَّهَا أَيَّامُ الْحَجِّ فَكُرِهَتْ فِيهَا الْعُمْرَةُ , فَدَعْوَى بَاطِلَةٌ لَا شُبْهَةَ لَهَا . ( فَرْعٌ ) : فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي تَكْرَارِ الْعُمْرَةِ فِي السَّنَةِ . مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ بَلْ يُسْتَحَبُّ , وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ , وَمِمَّنْ حَكَاهُ عَنْ الْجُمْهُورِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَالْعَبْدَرِيُّ , وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَعَائِشَةَ وَعَطَاءٍ وَغَيْرِهِمْ رضي الله عنهما , وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَمَالِكٌ: تُكْرَهُ الْعُمْرَةُ فِي السَّنَةِ أَكْثَرُ مِنْ مَرَّةٍ ; لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَلَا تُفْعَلُ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً كَالْحَجِّ , وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَخَلَائِقُ بِمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ , فَحَاضَتْ , فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُحْرِمَ بِحَجٍّ فَفَعَلَتْ , وَصَارَتْ قَارِنَةً وَوَقَفَتْ الْمَوَاقِفَ , فَلَمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ وَسَعَتْ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ , فَطَلَبَتْ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُعْمِرَهَا عُمْرَةً أُخْرَى , فَأَذِنَ لَهَا فَاعْتَمَرَتْ مِنْ التَّنْعِيمِ عُمْرَةً أُخْرَى } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مُطَوَّلًا , وَنَقَلْته مُخْتَصَرًا . قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكَانَتْ عُمْرَتُهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ , ثُمَّ أَعْمَرَهَا الْعُمْرَةَ الْأُخْرَى فِي ذِي الْحِجَّةِ , فَكَانَ لَهَا عُمْرَتَانِ فِي ذِي الْحِجَّةِ . وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا"أَنَّهَا اعْتَمَرَتْ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ أَيْ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثُ عُمَرَ , وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اعْتَمَرَ أَعْوَامًا فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَرَّتَيْنِ فِي كُلِّ عَامٍ , ذَكَرَ هَذِهِ الْآثَارَ كُلَّهَا الشَّافِعِيُّ , ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ بِأَسَانِيدِهِمَا . ( وَأَمَّا ) الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَقُلْ: اعْتَمَرَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ وَشَوَّالٍ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا أَيْضًا فِي الْمَسْأَلَةِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ , وَسَبَقَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ , وَلَكِنْ لَيْسَتْ دَلَالَتُهُ ظَاهِرَةٌ , وَإِنْ كَانَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ قَدْ احْتَجُّوا بِهِ , وَصَدَّرَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ الْبَابَ , فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَجْهُ دَلَالَتِهِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ كَوْنِ الْعُمْرَتَيْنِ فِي سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ , وَهَذَا تَعْلِيقٌ ضَعِيفٌ . وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى الصَّلَاةِ فَقَالُوا: عِبَادَةٌ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ , فَلَمْ يُكْرَهْ تَكْرَارُهَا فِي السَّنَةِ كَالصَّلَاةِ , قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ: مَنْ قَالَ: لَا يَعْتَمِرُ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْنِي حَدِيثَ عَائِشَةَ السَّابِقَ ( فَإِنْ قِيلَ ) قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا: { اُرْفُضِي عُمْرَتَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ } فَفَعَلَتْ , ثُمَّ اعْتَمَرَتْ , وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهَا إلَّا عُمْرَةً وَاحِدَةً (

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت