التّعريف:
1 -التّلبية لغة: إجابة المنادي ، وهي إمّا في الحجّ وإمّا في غيره كالوليمة والتّلبية في غير الحجّ . وقد سبق الكلام عنها في مصطلح ( إجابة ج /1 ص /251 ) .
وأمّا في الحجّ فالمراد بها قول المحرم: لبّيك اللّهمّ لبّيك . أي: إجابتي لك يا ربّ . يقال: لبّى الرّجل تلبية: إذا قال لبّيك . ولبّى بالحجّ كذلك . قال الفرّاء: معنى لبّيك إجابة لك بعد إجابة . وفي حديث الإهلال بالحجّ: « لبّيك اللّهمّ لبّيك » : هو من التّلبية ، وهي إجابة المنادي أي: إجابتي لك يا ربّ . وعن الخليل أنّ تثنية كلمة ( لبّيك ) على جهة التّوكيد . والإجابة وإن كانت لا تخرج في معناها الاصطلاحيّ عن هذا إلّا أنّه قد ورد في الخرشيّ على مختصر خليل: أنّ معنى التّلبية الإجابة: أي: إجابة بعد إجابة وذلك أنّ اللّه تعالى قال: { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالوا بَلَى } فهذه إجابة واحدة ، والثّانية: إجابة قوله تعالى: { وَأَذِّنْ في النَّاسِ بِالحَجِّ } يقال: إنّ إبراهيم عليه السلام لمّا أذّن بالحجّ أجابه النّاس في أصلاب آبائهم فمن أجابه مرّة حجّ مرّة ، ومن زاد زاد . فالمعنى أجبتك في هذا كما أجبتك في ذلك .
وأوّل من لبّى الملائكة ، وهم أيضا أوّل من كان بالبيت . ومعنى لبّيك كما في حاشية الطّحطاويّ على مراقي الفلاح: أقمت ببابك إقامة بعد أخرى وأجبت نداءك مرّة بعد أخرى . وفي الفواكه الدّواني: أجبتك يا ألّله إجابة بعد إجابة . أو لازمت الإقامة على طاعتك من ألبّ بالمكان إذا لزمه وأقام به . وهي مثنّاة لفظا ومعناها التّكثير لا خصوص الاثنين .
الحكم الإجماليّ:
2 -تلبية المحرم مستحبّة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة لما روى سهل بن سعد قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « ما من مسلم يلبّي إلا لبّى عن يمينه وعن شماله من حجر أو شجر أو مدر حتّى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا » .
وهي واجبة عند المالكيّة .
صيغتها المتّفق عليها بين الفقهاء:
3 -وهي تلبية رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .
كما جاء في خبر الصّحيحين عن ابن عمر أنّ تلبية رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:
« لبّيك اللّهمّ لبّيك . لبّيك لا شريك لك لبّيك . إنّ الحمد والنّعمة لك والملك لا شريك لك » .
وهل للمحرم أن يزيد عليها أو ينقص منها ؟ .
قال الشّافعيّ وهو قول لمالك: إن زاد على هذا فلا بأس . لما روي أنّ ابن عمر رضي الله عنهما كان يزيد فيها: لبّيك وسعديك والخير كلّه بيديك والرّغبة إليك والعمل .
وإذا رأى شيئًا يعجبه قال: لبّيك إنّ العيش عيش الآخرة . لما روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان ذات يوم والنّاس يصرفون عنه كأنّه أعجبه ما هم فيه . فقال: لبّيك إنّ العيش عيش الآخرة » .
وذهب الحنابلة وهو قول آخر لمالك إلى أنّه لا يستحبّ الزّيادة على تلبية رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولا تكره ، وذلك لقول جابر: « فأهلّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالتّوحيد لبّيك اللّهمّ لبّيك . لبّيك لا شريك لك لبّيك . إنّ الحمد والنّعمة لك والملك لا شريك لك » وأهلّ النّاس بهذا الّذي يهلّون . ولزم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تلبيته . وكان ابن عمر يلبّي بتلبية رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ويزيد مع هذا « لبّيك . لبّيك . وسعديك والخير بيديك والرّغباء إليك والعمل » .
وزاد عمر لبّيك مرغوبًا ومرهوبًا إليك ذا النّعماء والفضل الحسن .
ويرى أنّ أنسًا كان يزيد لبّيك حقًّا حقًّا تعبّدًا ورقًّا . وهذا يدلّ على أنّه لا بأس بالزّيادة ولا تستحبّ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لزم تلبيته فكرّرها ولم يزد عليها .
والقول الثّالث لمالك: كراهة الزّيادة على التّلبية المأثورة عن الرّسول صلى الله عليه وسلم. وذهب الحنفيّة إلى أنّه يندب له أن يزيد عليها ويكره له إنقاصها ، وتكون الزّيادة عليها ممّا هو مأثور فيقول: لبّيك وسعديك والخير كلّه بيديك والرّغباء إليك إله الخلق لبّيك بحجّة حقّا تعبّدا ورقّا . لبّيك إنّ العيش عيش الآخرة . وما ليس مرويًّا فجائز وحسن .
بم تصحّ التّلبية ؟
4 -تصحّ التّلبية عند الحنفيّة والشّافعيّة بغير العربيّة وإن أحسن العربيّة إلا أنّ العربيّة أفضل . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ غير العربيّ يلبّي بلسانه إن لم يقدر عليها بالعربيّة كأن لم يجد من يعلّمه العربيّة ، ومفاد هذا أنّ العربيّ القادر عليها بالعربيّة لا يلبّي بغيرها لأنّه ذكر مشروع فلم تشرع بغير العربيّة مع القدرة عليها كالأذان والأذكار المشروعة في الصّلاة فإن لم يقدر على العربيّة لبّى بلغته كالتّكبير في الصّلاة .
رفع الصّوت بالتّلبية:
5 -استحبّ الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة للمُحْرم أن يرفع صوته بالتّلبية لما روى زيد بن خالد الجهنيّ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: « جاءني جبريل عليه السلام فقال: يا محمّد مُرْ أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتّلبية فإنّها من شعائر الحجّ » .
وقال أبو حازم: كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لا يبلغون الرَّوحَاء حتّى تبحّ حلوقهم من التّلبية .
وقال سالم: كان ابن عمر يرفع صوته بالتّلبية فلا يأتي الرّوحاء حتّى يَصْحَل صوته .
ولا يجهد نفسه في رفع الصّوت بها زيادة على الطّاقة لئلا ينقطع صوته وتلبيته .