التّعريف:
1 -التّدارك: مصدر تدارك ، وثلاثيّه: درك ، ومصدره الدّرك بمعنى: اللّحاق والبلوغ . ومنه الاستدراك وللاستدراك في اللّغة استعمالان:
الأوّل: أن يتستدرك الشّيء بالشّيء .
الثّاني: أن يتلافى ما فرّط في الرّأي أو الأمر من الخطأ أو النّقص .
وللاستدراك في الاصطلاح معنيان أيضًا:
الأوّل ، للأصوليّين والنّحويّين: وهو رفع ما يتوهّم ثبوته ، أو إثبات ما يتوهّم نفيه .
والثّاني: يرد في كلام الفقهاء: وهو إصلاح ما حصل في القول أو العمل من خلل أو قصور أو فوات . وقد ورد في كلام الفقهاء التّعبير بالتّدارك في موضع الاستدراك ، الّذي هو بمعنى فعل الشّيء المتروك بعد محلّه ، سواء أترك سهوًا أم عمدًا ، ومن ذلك قول الرّمليّ: إذا سلّم الإمام من صلاة الجنازة ، تدارك المسبوق باقي التّكبيرات بأذكارها .
وقوله: لو نسي تكبيرات صلاة العيد فتذكّرها قبل ركوعه ، أو تعمّد تركها بالأولى - وشرع في القراءة وإن لم يتمّ فاتحته - فاتت في الجديد فلا يتداركها .
ومن ذلك أيضًا ما ذكره البهوتيّ ، من أنّه لو دفن الميّت قبل الغسل ، وقد أمكن غسله ، لزم نبشه ، وأن يخرج ويغسّل ، تداركًا لواجب غسله .
وعلى هذا يمكن تعريف التّدارك في الاصطلاح الفقهيّ بأنّه: فعل العبادة ، أو فعل جزئها إذا ترك المكلّف فعل ذلك في محلّه المقرّر شرعًا ما لم يفت .
وبالتّتبّع وجدنا الفقهاء لا يطلقون التّدارك إلاّ على ما كان استدراكًا في العبادة .
الألفاظ ذات الصّلة:
2 -منها القضاء والإعادة والاستدراك ، وكذلك الإصلاح في اصطلاح المالكيّة وقد سبق بيان معانيها ، والتّفريق بينها وبين التّدارك في مصطلح ( استدراك ) .
الحكم التّكليفيّ:
3 -الأصل أنّ تدارك ركن العبادة المفروضة فرض ، وذلك إن فات الرّكن لعذر - كنسيان أو جهل - مع القدرة عليه ، أو فعل على وجه غير مجزئ .
ولا يحصل الثّواب المرتّب على الرّكن مع تركه ، لعدم الامتثال .
ولا تصحّ العبادة إلاّ بالتّدارك . فإن لم يتدارك الرّكن في الوقت الّذي يمكن تداركه فيه فسدت العبادة ، ووجب الاستدراك باستئناف العبادة أو قضائها ، بحسب اختلاف الأحوال . وأمّا تدارك الواجبات والسّنن ففيه تفصيل . ويتّضح ذلك من الأمثلة المختلفة ،وبها يتبيّن الحكم .
التّدارك في الوضوء:
أ - التّدارك في أركان الوضوء:
4 -أركان الوضوء يتحتّم الإتيان بها ، فإن ترك غسل عضو من الثّلاثة أو جزءًا منه ، أو ترك مسح الرّأس ، فإنّه لا بدّ من تداركه ، بالإتيان بالفائت من غسل أو مسح ثمّ الإتيان بما بعده ، فمن نسي غسل اليدين ، وتذكّره بعد غسل الرّجلين ، لم يصحّ وضوءه حتّى يعيد غسل اليدين ويمسح برأسه ويغسل رجليه .
وهذا على قول من يجعل التّرتيب فرضًا في الوضوء ، وهم الشّافعيّة ، وعلى القول المقدّم عند الحنابلة . أمّا من أجازوا الوضوء دون ترتيب ، وهم الحنفيّة والمالكيّة ، فيجزئ عندهم التّدارك بغسل المتروك وحده . وإعادة ما بعده مستحبّ ، وليس واجبًا .
ولو ترك غسل اليمنى من اليدين أو الرّجلين ، وتذكّره بعد غسل اليسرى ، أجزأه غسل اليمنى فقط ، ولا يلزمه غسل اليسرى اتّفاقًا ، لأنّهما بمنزلة عضو واحد .
وإنّما يجزئ التّدارك بالإتيان بالفائت وما بعده ، أو بالفائت وحده - على القولين المذكورين - إن لم تفت الموالاة عند من أوجبها ، فإن طال الفصل ، وفاتت الموالاة ، فلا بدّ من إعادة الوضوء كلّه . أمّا من لم يوجب الموالاة - وذلك مذهب الحنفيّة والشّافعيّة - فإنّه يجزئ عندهم التّدارك بغسل الفائت وحده . وفي المسألة تفصيلات يرجع إليها في ( وضوء ) .
ب - التّدارك في واجبات الوضوء:
5 -ليس للوضوء ولا للغسل واجبات عند بعض الفقهاء .
ومن واجبات الوضوء عند الحنابلة مثلًا التّسمية في أوّله - وليست ركنًا في الوضوء عندهم - قالوا: وتسقط لو تركها سهوًا . وإن ذكرها في أثناء الوضوء سمّى وبنى ، أي فلا يلزمه الاستئناف . قالوا: لأنّه لمّا عفي عنها مع السّهو في جملة الطّهارة ، ففي بعضها أولى . وهو المذهب خلافًا لما صحّحه في الإنصاف .
ج - التّدارك في سنن الوضوء:
6 -أمّا سنن الوضوء فقد صرّح المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بعدم مشروعيّة تداركها إذا فات محلّها . فيرى المالكيّة أنّ سنّة الوضوء يطالب بإعادتها لو نكّسها سهوًا أو عمدًا ، طال الوقت أو قصر . أمّا لو تركها بالكلّيّة عمدًا أو سهوًا - وذلك منحصر عندهم في المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين - قال الدّردير: يفعلها استنانًا دون ما بعدها طال التّرك أو لا . وإنّما لم تجب إعادة ما بعده لندب ترتيب السّنن في نفسها ، أو مع الفرائض .
والمندوب - كما قال الدّسوقيّ - إذا فات لا يؤمر بفعله لعدم التّشديد فيه ، وإنّما يتداركها لما يستقبل من الصّلوات ، لا إن أراد مجرّد البقاء على طهارة ، إلاّ أن يكون بالقرب ، أي بحضرة الماء وقبل فراغه من الوضوء .
وكذلك عند الشّافعيّة: لو قدّم مؤخّرًا ، كأن استنشق قبل المضمضة - وهما عندهم سنّتان - قال الرّمليّ: يحتسب ما بدأ به ، وفات ما كان محلّه قبله على الأصحّ في الرّوضة ، خلافًا لما في المجموع ، أي فلا يتداركه بعد ذلك ، وهذا قولهم في سنن الوضوء بصفة عامّة ، فيحسب منها ما أوقعه أوّلًا ، فكأنّه ترك غيره ، فلا يعتدّ بفعله بعد ذلك .