لكن في التّسمية في أوّل الوضوء - وهي سنّة عندهم - قالوا: إن تركها عمدًا أو سهوًا - أو في أوّل طعام أو شراب كذلك - يأتي بها في أثنائه تداركًا لما فاته ، فيقول: بسم اللّه أوّله وآخره ، ولا يأتي بها بعد فراغه من الوضوء ، بخلاف الأكل ، فإنّه يأتي بها بعده . وشبيه بهذا ما عند الحنفيّة . حيث قالوا: لو نسيها ، فسمّى في خلال الوضوء لا تحصل السّنّة ، بل المندوب ، فيأتي بها لئلاّ يخلو وضوءه منها . وأمّا في الطّعام فتحصل السّنّة في باقيه . وهل تكون التّسمية أثناءه استدراكًا لما فات ، فتحصل فيه ، أم لا تحصل ؟ .
قال شارح المنية: الأولى أنّها استدراك ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « إذا أكل أحدكم فلْيذكر اسم اللّه تعالى ، فإن نسي أن يذكرَ اسمَ اللّه في أوّله فليقل: بسم اللّه أوّله وآخره » .وقال ابن عابدين: إذا قال في الوضوء بسم اللّه أوّله وآخره ، حصل استدراك السّنّة أيضًا، بدلالة النّصّ .
7-أمّا المضمضة والاستنشاق في الوضوء عند الحنابلة ففعلهما فرض ، لأنّ الفم والأنف من أجزاء الوجه ، وليسا من سنن الوضوء ، ولذا فلا يجب التّرتيب فيما بينهما .
ويجب أن يتدارك المضمضة بعد الاستنشاق ، أو بعد غسل الوجه ، وحتّى بعد غسل سائر الأعضاء ، إلاّ أنّه إن تذكّرهما بعد غسل اليدين تداركهما وغسل ما بعدهما كما تقدّم .
التّدارك في الغسل:
8 -التّرتيب والموالاة في الغسل غير واجبين عند جمهور الفقهاء .
وقال اللّيث: لا بدّ من الموالاة . واختلف فيه عن الإمام مالك ، والمقدّم عند أصحابه: وجوب الموالاة ، وفيه وجه لأصحاب الإمام الشّافعيّ . فعلى قول الجمهور: إذا توضّأ مع الغسل لم يلزم التّرتيب بين أعضاء الوضوء . من أجل ذلك فإنّه لو ترك غسل عضو أو لمعة من عضو ، سواء أكان في أعضاء الوضوء أم في غيرها ، تدارك المتروك وحده بعد ، طال الوقت أو قصر ، ولو غسل بدنه إلاّ أعضاء الوضوء تداركها ، ولم يجب التّرتيب بينها . ومن أجل ذلك قال الشّافعيّة: لو ترك الوضوء في الغسل ، أو المضمضة أو الاستنشاق كره له ، ويستحبّ له أن يأتي به ولو طال الفصل دون إعادة للغسل .
ويجب تداركهما عند الحنفيّة والحنابلة ، إذ هما واجبان في الغسل عندهم ، بخلافهما في الوضوء ، فهما فيه سنّة عند الحنفيّة ، وليسا بواجبين .
تدارك غسل الميّت:
9 -عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة لو دفن الميّت دون غسل ، وقد أمكن غسله ، لزم نبشه وأن يخرج ويغسّل ، تداركًا لواجب غسله . أي ما لم يخش تغيّره ، كما صرّح به المالكيّة والشّافعيّة . وكذلك تكفينه والصّلاة عليه يجب تداركهما بنبشه . قال الدّردير: وتدورك ندبًا بالحضرة - وهي ما قبل تسوية التّراب عليه - ومثال المخالفة الّتي تتدارك: تنكيس رجليه موضع رأسه ، أو وضعه غير مستقبل القبلة ، أو على ظهره ، وكترك الغسل ، أو الصّلاة عليه ، ودفن من أسلم بمقبرة الكفّار ، فيتدارك إن لم يخف عليه التّغيّر .
أمّا عند الحنفيّة: فلا ينبش الميّت إذا أهيل عليه التّراب لحقّ اللّه تعالى ، كما لو دفن دون غسل أو صلاة ، ويصلّى على قبره دون غسل .
التّدارك في الصّلاة:
10 -إذا ترك المصلّي شيئًا من صلاته ، أو فعله على وجه غير مجزئ ، فإنّ في مشروعيّة تداركه تفصيلًا:
أ - تدارك الأركان:
11 -إن كان المتروك ركنًا ، وكان تركه عمدًا ، بطلت صلاته حالًا لتلاعبه . وإن تركه سهوًا أو شكّ في تركه وجب تداركه بفعله ، وإلاّ لم تصحّ الرّكعة الّتي ترك ركنًا منها ، فإنّ الرّكن لا يسقط عمدًا ولا سهوًا ولا جهلًا ولا غلطًا ، ويعيد ما بعد المتروك لوجوب التّرتيب . وفي كيفيّة تداركه اختلاف وتفصيل بين أصحاب المذاهب يرجع إليه في ( أركان الصّلاة وسجود السّهو ) . وقد يشرع سجود السّهو مع تداركه ، على ما في سجود السّهو من الخلاف ، في كونه واجبًا أو مستحبًّا على ما هو مفصّل في سجود السّهو .
ب - تدارك الواجبات:
12 -ليس عند المالكيّة والشّافعيّة واجبات للصّلاة غير الأركان .
وعند الحنفيّة واجبات الصّلاة لا تفسد الصّلاة بتركها ، بل يجب سجود السّهو إن كان تركه سهوًا ، وتجب إعادتها إن كان عمدًا مع الحكم بإجزاء الأولى .
أمّا عند الحنابلة: فواجبات الصّلاة - كالتّشهّد الأوّل ، والتّكبير للانتقال ، وتسبيح الرّكوع والسّجود - فإن ترك شيئًا من ذلك عمدًا بطلت صلاته . وإن تركه سهوًا ثمّ تذكّره ، فإنّه يجب تداركه ما لم يفت محلّه ، بانتقاله بعده إلى ركن مقصود ، إذ لا يعود بعده لواجب . فيرجع إلى تسبيح ركوع قبل اعتدال لا بعده ، ويرجع إلى التّشهّد الأوّل ما لم يشرع في قراءة الرّكعة الثّالثة . ثمّ إن فات محلّ الواجب - كما لو شرع في القراءة من ترك التّشهّد الأوّل - لم يجز الرّجوع إليه . وفي كلا الحالين يجب سجود السّهو .
ت - تدارك سنن الصّلاة:
13 -السّنن لا تبطل الصّلاة بتركها ولو عمدًا ، ولا تجب الإعادة ، وإنّما حكم تركها: كراهة التّنزيه ، كما صرّح به الحنفيّة .
وعند المالكيّة: إن نسي سنّةً من سنن الصّلاة يستدركها ما لم يفت محلّها ، فلو ترك التّشهّد الأوسط ، وتذكّر قبل مفارقته الأرض بيديه وركبتيه ، يرجع للإتيان به ، وإلاّ فقد فات .