1 -من معاني التّشميت لغة: الدّعاء بالخير والبركة . وكلّ داع لأحد بخير فهو مُشَمِّت ومسمّت بالشّين والسّين ، والشّين أعلى وأفشى في كلامهم . وكلّ دعاء بخير فهو تشميت . وفي حديث « تزويج عليّ بفاطمة رضي الله عنهما: شمّت عليهما » : أي دعا لهما بالبركة. وفي حديث العطاس: « فشمّت أحدهما ولم يشمّت الآخر » . فالتّشميت والتّسميت: الدّعاء بالخير والبركة . وتشميت العاطس أو تَسْمِيته: أن يقول له متى كان مسلما: يرحمك اللّه . وهو لا يخرج في الاصطلاح الفقهيّ عن هذا المعنى .
الحكم التّكليفيّ:
2 -اتّفق العلماء على أنّه يشرع للعاطس عقب عطاسه أن يحمد اللّه ، فيقول: الحمد للّه ، ولو زاد: ربّ العالمين كان أحسن كفعل ابن مسعود . ولو قال: الحمد للّه على كلّ حال كان أفضل كفعل ابن عمر . وقيل يقول: الحمد للّه حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه ، كفعل غيرهما . وروى أحمد والنّسائيّ من حديث سالم بن عبيد مرفوعا « إذا عَطَس أحدكم فليقل: الحمد للّه على كلّ حال أو الحمد للّه ربّ العالمين » وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد للّه على كلّ حال » ومتى حمد اللّه بعد عطسته كان حقّا على من سمعه من إخوانه المسلمين غير المصلّين أن يشمّته"يرحمك اللّه"فقد روى البخاريّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه « إذا عطس أحدكم فحمد اللّه فحقّ على كلّ مسلم سمعه أن يقول: يرحمك اللّه » .
وفي صحيح البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد للّه . وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك اللّه . فإذا قال له: يرحمك اللّه فليقل: يهديكم اللّه ويصلح بالكم » .
وعن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حقّ المسلم على المسلم خمس: ردّ السّلام ، وعيادة المريض واتّباع الجنائز ، وإجابة الدّعوة ، وتشميت العاطس » وفي رواية لمسلم « حقّ المسلم على المسلم ستّ: إذا لقيته فسلّم عليه ، وإذا دعاك فأجبه ، وإذا استنصحك فانصح له ، وإذا عطس فحمد اللّه تعالى فشمّته ، وإذا مرض فعده ، وإذا مات فاتّبعه » . وإن لم يحمد اللّه بعد عطسته فلا يشمّت . فعن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه مرفوعًا « إذا عطس أحدكم فحمد اللّه فشمّتوه ، فإن لم يحمد اللّه فلا تشمّتوه » .
وعن أنس رضي الله عنه قال: « عطس رجلان عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم فشمّت أحدهما ولم يشمّت الآخر . فقال الّذي لم يشمّته: عطس فلان فَشَمّتَّه ، وعطست فلم تشمّتني فقال: إنّ هذا حمد اللّه تعالى ، وإنّك لم تحمد اللّه تعالى » وهذا الحكم عامّ وليس مخصوصا بالرّجل الّذي وقع له ذلك . يؤيّد العموم ما جاء في حديث أبي موسى
« إذا عطس أحدكم فحمد اللّه فشمّتوه ، وإن لم يحمد اللّه فلا تشمّتوه » .
فالتّشميت قد شرع لمن حمد اللّه دون من لم يحمده ، فإذا عرف السّامع أنّ العاطس حمد اللّه بعد عطسته شمّته ، كأن سمعه يحمد اللّه ، وإن سمع العطسة ولم يسمعه يحمد اللّه ، بل سمع من شمّت ذلك العاطس ، فإنّه يشرع له التّشميت لعموم الأمر به لمن عطس فحمد ، وقال النّوويّ المختار أنّه يشمّته من سمعه دون غيره .
وهذا التّشميت سنّة عند الشّافعيّة . وفي قول للحنابلة وعند الحنفيّة هو واجب .
وقال المالكيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة بوجوبه على الكفاية . ونقل عن البيان أنّ الأشهر أنّه فرض عين ، لحديث « كان حقّا على كلّ مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك اللّه » .
فإن عطس ولم يحمد اللّه نسيانا استحبّ لمن حضره أن يذكّره الحمد ليحمد فيشمّته .
وقد ثبت ذلك عن إبراهيم النّخعيّ .
3 -ويندب للعاطس أن يردّ على من شمّته: فيقول له: يغفر اللّه لنا ولكم ، أو يهديكم اللّه ويصلح بالكم ، وقيل: يجمع بينهما ، فيقول: يرحمنا اللّه وإيّاكم ويغفر لنا ولكم . فقد روي عن ابن عمر أنّه كان إذا عطس فقيل له: يرحمك اللّه . قال:"يرحمنا اللّه وإيّاكم ويغفر اللّه لنا ولكم". قال ابن أبي جمرة: في الحديث دليل على عظيم نعمة اللّه على العاطس . يؤخذ ذلك ممّا رتّب عليه من الخير . وفيه إشارة إلى عظيم فضل اللّه على عبده . فإنّه أذهب عنه الضّرر بنعمة العطس ، ثمّ شرع له الحمد الّذي يثاب عليه ، ثمّ الدّعاء بالخير بعد الدّعاء بالخير وشرع هذه النّعم المتواليات في زمن يسير فضلا منه وإحسانًا .
فإذا قيل للعاطس: يرحمك اللّه ، فمعناه: جعل اللّه لك ذلك لتدوم لك السّلامة ، وفيه إشارة إلى تنبيه العاطس على طلب الرّحمة والتّوبة من الذّنب ، ومن ثَمَّ شرع به الجواب بقوله: غفر اللّه لنا ولكم وقوله: ويصلح بالكم أي شأنكم . وقوله تعالى: { سَيَهْدِيهمْ وَيُصْلِحُ بَالَهمْ } أي شأنهم . وهذا ما لم يكن في صلاته أو خلائه .
ما ينبغي للعاطس مراعاته:
4 -من آداب العاطس: أن يخفض بالعطس صوته ويرفعه بالحمد . وأن يغطّي وجهه لئلّا يبدو من فيه أو أنفه ما يؤذي جليسه . ولا يلوي عنقه يمينًا ولا شمالًا لئلا يتضرّر بذلك . قال ابن العربيّ: الحكمة في خفض الصّوت بالعطاس: أنّ رفعه إزعاجًا للأعضاء .
وفي تغطية الوجه: أنّه لو بدر منه شيء آذى جليسه . ولو لوى عنقه صيانة لجليسه لم يأمن من الالتواء ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه ، وخفض أو غضّ بها صوته » .
حكمة مشروعيّة التّشميت: