التّعريف:
1 -الشُّرب - بالضّمّ - لغةً: تناول كلّ مائع ماءً كان أو غيره .
ويستعمل الفقهاء هذا اللّفظ بنفس المعنى اللّغويّ .
الحكم التّكليفيّ:
2 -الأصل جواز شرب المشروبات كلّها إلاّ ما قامت دلالة تحريمه .
وإذا كان ترك الشّرب يتلف نفس الإنسان أو بعض أعضائه أو يضعفه عن أداء الواجبات فواجب عليه أن يشرب ما يزول معه خوف الضّرر .
وقال القرطبيّ: أمّا ما تدعو الحاجة إليه وهو ما سكّن الظّمأ فمندوب إليه عقلًا وشرعًا لما فيه من حفظ النّفس وحراسة الحواسّ .
وقال الجصّاص: أمّا الحال الّتي لا يخاف الإنسان ضررًا فيها بترك الشّرب فالشّرب مباح . وقد اختلف في شرب الزّائد على قدر الحاجة على قولين: فقيل حرام . وقيل مكروه .
قال ابن العربيّ: وهو الصّحيح .
آداب الشّرب:
أ - التّسمية على الشّرب:
3 -تستحبّ التّسمية في أوّل الشّرب .
قال صاحب غاية المنتهى: يسمّي الشّارب عند كلّ ابتداء ويحمد عند كلّ قطع .
وقال العلماء: يستحبّ أن يجهر بالتّسمية ليسمع غيره وينبّهه عليها . ولو ترك التّسمية في أوّل الشّرب عامدًا أو ناسيًا أو جاهلًا أو مكرهًا أو عاجزًا لعارض آخر ، ثمّ تمكّن أثناء شربه أو بعده منها ، يستحبّ أن يسمّي ويقول:"بسم اللّه أوّله وآخره"لقوله صلى الله عليه وسلم: « إذا أكل أحدكم فليذكر اسم اللّه فإن نسي أن يذكر اللّه في أوّله فليقل بسم اللّه أوّله وآخره » .
وتحصل التّسمية بقوله:"بسم اللّه"فإن قال:"بسم اللّه الرّحمن الرّحيم"كان حسنًا .
ب - الشّرب باليمين:
4 -يستحبّ الشّرب باليمين ، ويكره الشّرب بالشّمال إذا لم يكن عذر لخبر « إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه ، وإذا شرب فليشرب بيمينه ، فإنّ الشّيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله » . فإن كان عذر يمنع الشّرب باليمين من مرض أو جراحة أو غير ذلك فلا كراهة في الشّمال .
ج - الشّرب ثلاثة أنفاس:
5 -السّنّة: أن يشرب الماء في ثلاثة أنفاس ، فقد ورد من حديث أنس - رضي الله عنه: « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتنفّس في الإناء ثلاثًا » وفي لفظ « كان يتنفّس ثلاثًا ، ويقول: إنّه أروى وأبرأ وأمرأ » . ومعنى أروى أي: أكثر ريًّا ، وأبرأ أي: أسلم من مرض أو أذىً يحصل بسبب الشّرب في نفس واحد ، وأمرأ أي أكمل انسياغًا .
قال الشّوكانيّ في تعليقه على الحديث: هذه الأمور الثّلاثة إنّما تحصل بأن يشرب ثلاثة أنفاس خارج القدح .
ثمّ اختلف العلماء في الشّرب بنفس واحد فروي عن ابن المسيّب وعطاء بن أبي رباح أنّهما أجازاه بنفس واحد . وروي عن ابن عبّاس وطاوس وعكرمة كراهة الشّرب بنفس واحد ، وقال ابن عبّاس هو شرب الشّيطان .
د - عدم التّنفّس في الإناء:
6 -يندب إبعاد القدح حين التّنفّس حالة الشّرب ، ويكره التّنفّس في الإناء كما يكره النّفخ فيه ، لحديث ابن عبّاس - رضي الله عنهما - « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفّس في الإناء أو ينفخ فيه » .
قال أبو الوليد الباجيّ: في حكمة النّهي عن النّفخ في الإناء: نهى صلى الله عليه وسلم عن النّفخ في الشّراب حملًا لأمّته على مكارم الأخلاق ، لأنّ النّافخ في آنية الماء يجوز أن يقع من ريقه فيها شيء مع النّفخ فيتقذّره النّاظر ويفسده عليه .
وقال الشّوكانيّ: النّهي عن التّنفّس في"الإناء"الّذي يشرب منه لئلاّ يخرج من الفم بزاق يستقذره من شرب بعده منه ، أو تحصل فيه رائحة كريهة تتعلّق بالماء أو بالإناء .
هـ - عدم الشّرب قائمًا:
7 -كان من هديه صلى الله عليه وسلم الشّرب قاعدًا ، هذا كان هديه المعتاد ، وصحّ عنه « أنّه نهى عن الشّرب قائمًا ، وصحّ عنه أنّه أمر الّذي شرب قائمًا أن يستقئ ، وصحّ عنه أنّه شرب قائمًا » .
قال النّوويّ: الصّواب أنّ النّهي محمول على كراهة التّنزيه . أمّا شربه صلى الله عليه وسلم قائمًا فبيان للجواز ، فلا إشكال ولا تعارض . وهذا الّذي ذكرناه يتعيّن المصير إليه .
ثمّ قال: فإن قيل: كيف يكون الشّرب قائمًا مكروهًا وقد فعله النّبيّ صلى الله عليه وسلم ؟ فالجواب أنّ فعله صلى الله عليه وسلم إذا كان بيانًا للجواز لا يكون مكروهًا بل البيان واجب عليه صلى الله عليه وسلم . وقد ثبت « أنّه صلى الله عليه وسلم توضّأ مرّةً مرّةً ، وطاف على بعير » ، مع أنّ الإجماع على أنّ الوضوء ثلاثًا ثلاثًا والطّواف ماشيًا أكمل .
ونظائر هذا غير منحصرة ، فكان صلى الله عليه وسلم ينبّه على جواز الشّيء مرّةً أو مرّات ويواظب على الأفضل منه . وهكذا كان أكثر وضوئه صلى الله عليه وسلم ثلاثًا ثلاثًا والطّواف ماشيًا وأكثر شربه جالسًا .
وقال النّوويّ في الرّوضة تبعًا للرّافعيّ: لا يكره الشّرب قائمًا . وأضاف: والمختار أنّ الشّرب قائمًا بلا عذر خلاف الأولى للأحاديث الصّريحة بالنّهي عنه في صحيح مسلم . وقد ضعّف بعض المالكيّة أحاديث النّهي وقيل: إنّها منسوخة .
و - مصّ الماء:
8 -يندب مصّ الماء ويكره عبّه لقوله صلى الله عليه وسلم: « إذا شرب أحدكم فليمصّ مصًّا ولا يعبّ عبًّا فإنّ الكباد من العبّ » . والكباد وجع الكبد ، ومثل الماء كلّ مائع كاللّبن . وقال الرّحيبانيّ: يعبّ اللّبن لأنّه طعام .
ز - تقليل الشّراب:
9 -يطلب تخفيف المعدة بتقليل الطّعام والشّراب على قدر لا يترتّب عليه ضرر ولا كسل عن العبادة .