التّعريف:
1 -القدرة في اللّغة: اسم من قَدَرت على الشّيء أقدر - من باب ضرب - قويت عليه وتمكّنت منه .
واصطلاحًا: هي الصّفة الّتي تمكّن الحيّ من الفعل وتركه بالإرادة .
قال الرّاغب الأصفهانيّ: القدرة إذا وصف بها الإنسان فاسم لهيئة له بها يتمكّن من فعل شيء ما ، وإذا وصف اللّه تعالى بها فهي نفي العجز عنه ، ومحال أن يوصف غير اللّه تعالى بالقدرة المطلقة معنىً ، وإن أطلق عليه لفظًا .
القدرة شرط التّكليف:
2 -يقول الأصوليّون: جواز التّكليف مبنيّ على القدرة الّتي يوجد بها الفعل المأمور به ، وهذا شرط في أداء كلّ أمر ، والأصل في ذلك قوله تعالى: { لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } أي طاقتها وقدرتها .
ويقول الجصّاص: نصّ التّنزيل قد أسقط التّكليف عمّن لا يقدر على الفعل ولا يطيقه ، من ذلك سقوط الفرض عن المكلّفين فيما لا تتّسع له قواهم ، لأنّ الوسع هو دون الطّاقة ، وأنّه ليس عليهم استفراغ الجهد في أداء الفرض ، نحو الشّيخ الكبير الّذي يشقّ عليه الصّوم ويؤدّي إلى ضرر يلحقه في جسمه وإن لم يخش الموت بفعله ، فليس عليه صومه ، لأنّ اللّه لم يكلّفه إلاّ ما يتّسع لفعله .
وقد قسّم الحنفيّة القدرة إلى قدرة ممكنة ، وهي مفسّرة بسلامة الآلات وصحّة الأسباب ، وإلى قدرة ميسّرة ، وهي الّتي يقدر بها الإنسان على الفعل مع يسر .
وتفصيل ذلك في مصطلح: ( استطاعة ف 10 ) والملحق الأصوليّ .
ما تتحقّق به القدرة:
يختلف ما تتحقّق به القدرة باختلاف التّصرّفات ، سواء أكان ذلك في العبادات أم في المعاملات .
القدرة في العبادات:
أوّلًا: القدرة على الطّهارة المائيّة:
3 -ذهب الفقهاء إلى أنّ الطّهارة بالماء للوضوء أو الغسل تتحقّق بما يأتي:
أ - وجود الماء الكافي للطّهارة والفائض عن الحاجة الضّروريّة ، وذلك لقوله تعالى: { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا } .
ب - إمكان استعمال الماء بنفسه على وجه لا يضرّه ، أو استعماله بمساعد ولو بأجر ، لأنّ العاجز عن استعمال الماء بنفسه إذا وجد من يوضّئه بأجرة المثل يعتبر قادرًا بقدرة الغير . فإذا لم يتحقّق وجود الماء أو إمكان الاستعمال ، فلا يعتبر الشّخص قادرًا ، وينتقل من الطّهارة المائيّة إلى التّيمّم .
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح: ( تيمّم ف 21 وما بعدها ) .
ثانيًا: القدرة على أداء أركان الصّلاة:
4 -ذهب الفقهاء إلى أنّه تتحقّق القدرة على أداء الصّلاة بسلامة أعضاء البدن الّتي يتمكّن بها المصلّي من الإتيان بالأركان على الوجه الأكمل الّذي بيّنه النّبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: « صلّوا كما رأيتموني أصلّي » .
وإذا عجزت أعضاء البدن عن الإتيان بها على الوجه الأكمل ، فإنّ المسلم يعتبر قادرًا بما يمكنه الإتيان به ولو بإيماءة برأسه ، فيجب عليه الإتيان بذلك لقدرته عليه ، لأنّ الصّلاة من العبادات الّتي لا تسقط عن المكلّف إلاّ لمانع شرعيّ ، كالحيض والجنون المطبق . والأصل في ذلك قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: « صلّ قائمًا ، فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب » وفي رواية: « فإن لم تستطع فمستلقيًا ، لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها » .
ثالثًا: القدرة على أداء الزّكاة:
5 -ذهب مالك والشّافعيّ إلى أنّ القدرة على الأداء شرط لوجوب أداء الزّكاة على الفور ، وتتحقّق هذه القدرة بحضور المال وحضور المستحقّين أو حضور الإمام أو السّاعي ، لأنّ الزّكاة عبادة ، فيشترط لوجوبها إمكان أدائها ، كالصّلاة والصّوم .
وذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّ القدرة على الأداء ليست شرطًا لوجوبها ، لأنّ الزّكاة عبادة ماليّة فيثبت وجوبها في الذّمّة مع عدم إمكان الأداء ، كثبوت الدّيون في ذمّة المفلس . والتّفصيل في مصطلح: ( زكاة ف 14 وما بعدها ) .
رابعًا: القدرة على أداء الحجّ:
6 -اتّفق الفقهاء على أنّ من شروط وجوب الحجّ الاستطاعة ، لقوله تعالى: { وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا } .
وذهب الفقهاء إلى أنّ الاستطاعة ، أي القدرة تتحقّق بما يأتي:
أ - وجود الزّاد والرّاحلة ، وهو وجود المال الّذي يكفي النّفقة ذهابًا وإيابًا .
ب - سلامة البدن من الأمراض والعاهات الّتي تعوق عن الحجّ ، ويعتبر العاجز بنفسه قادرًا بقدرة غيره ، كالأعمى الّذي يجد من يقوده ، والمقعد الّذي يجد من يحجّ عنه .
ج - أمن الطّريق وذلك بأن يكون الإنسان آمنًا على نفسه وماله .
د - وجود محرم بالنّسبة للمرأة أو رفقة مأمونة كما يقول بعض الفقهاء .
والتّفصيل في مصطلح: ( حجّ ف 14 وما بعدها ) .
القدرة في المعاملات:
أوّلًا: القدرة على تسليم المبيع:
7 -ذهب الفقهاء إلى أنّ القدرة على تسليم المبيع من شروط صحّة البيع ، لأنّ غير المقدور على تسليمه كالمعدوم ، وتتحقّق القدرة على تسليم المبيع بأن يكون الإنسان مالكًا له متمكّنًا من التّصرّف فيه وتسليمه للمشتري ، ولذلك لا يصحّ بيع الطّير في الهواء ، ولا السّمك في الماء ، ولا الجمل الشّارد ، ولا ما لا يملكه الإنسان .
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح: ( بيع منهيّ عنه ف 32 ) .
ثانيًا: القدرة على استيفاء المنفعة في الإجارة: