التّعريف:
1 -من معاني الإمساك في اللّغة القبض . يقال: أمسكته بيدي إمساكًا: قبضته ، ومن معانيه أيضًا الكفّ يقال: أمسكت عن الأمر: كففت عنه .
واستعمله الفقهاء أيضًا في هذين المعنيين في مواضع مختلفةٍ ، لأنّ مرادهم بالإمساك في الجنايات القبض باليد . فإذا أمسك رجل آخر فقتله الثّالث يقتل الممسك قصاصًا عند المالكيّة إذا كان الإمساك بقصد القتل ، وعند غيرهم لا يقتل كما سيأتي . ومرادهم بالإمساك في الصّيام: الكفّ عن المفطرات والامتناع عن الأكل والشّرب والجماع ، كما صرّحوا بذلك .
الألفاظ ذات الصّلة:
الاحتباس:
2 -الاحتباس لغةً: هو المنع من حرّيّة السّعي ، ويختصّ بما يحبسه الإنسان لنفسه . تقول: احتبست الشّيء: إذا اختصصته لنفسك خاصّةً .
ويطلق الاحتباس عند الفقهاء على تسليم المرأة نفسها لزوجها ، كما قالوا: إنّ النّفقة جزاء الاحتباس . كما يطلقون الاحتباس أو الحبس على الوقف ، لما فيه من منع التّصرّف فيه ، وعلى هذا فالاحتباس أخصّ من الإمساك .
الحكم الإجماليّ:
يختلف حكم الإمساك باختلاف الموضوعات الّتي ذكر فيها: من الصّيام ، والصّيد ، والطّلاق ، والقصاص .
أوّلًا: إمساك الصّيد:
3 -يطلق إمساك الصّيد على الاصطياد ، وعلى إبقاء الصّيد في اليد بدلًا من إرساله ، وقد اتّفق الفقهاء على أنّ إمساك صيد البرّ حرام إذا كان في حالة الإحرام ، أو كان في داخل حدود الحرم . وكذلك الدّلالة والإشارة إلى الصّيد والإعانة في قتله ، كما هو مبيّن في مصطلح ( إحرام ) على تفصيلٍ في ذلك .
4 -ويجوز الاصطياد بجوارح السّباع والطّير ، كالكلب والفهد والبازي والشّاهين ، ويشترط في الجارح أن يمسك الصّيد على صاحبه . بشرط كونه معلّمًا .
والإمساك على صاحبه شرط من شروط كون الكلب معلّمًا عند الجمهور ، فإنّهم صرّحوا أنّ تعليم الكلب هو أنّه إذا أرسل اتّبع الصّيد . وإذا أخذه أمسكه على صاحبه . ولا يأكل منه شيئًا . حتّى لو أخذ صيدًا فأكل منه لا يؤكل عند الجمهور ، بدليل قوله تعالى: { فكلوا ممّا أمسكن عليكم } إشارةً إلى أنّ حدّ تعليم الكلب وما هو في معناه هو الإمساك على صاحبه وترك الأكل منه ، والكلب الّذي يأكل إنّما أمسك على نفسه لا على صاحبه ، فكان فعله مضافًا إليه لا إلى المرسل فلا يجوز أكله . واستدلّ لذلك بحديث « عديّ بن حاتمٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: فإن أكل فلا تأكل ، فإنّي أخاف أن يكون إنّما أمسك على نفسه » .
وقال مالك وهو رواية عن أحمد: إنّ الإمساك ليس شرطًا في تعليم الحيوان الّذي يرسل إلى الصّيد . فالحيوان المعلّم هو الّذي إذا أرسل أطاع وإذا زجر انزجر ، لأنّ التّعليم إنّما شرط حالة الاصطياد وهي حالة الاتّباع . أمّا الإمساك على صاحبه وترك الأكل فيكونان بعد الفراغ عن الاصطياد فلا يشترطان . وتفصيله في مصطلح ( صيد ) .
ثانيًا: الإمساك في الصّيام:
5 -الإمساك عن الأكل والشّرب والجماع بشرائط مخصوصةٍ هو معنى الصّيام عند الفقهاء . وهناك إمساك لا يعدّ صومًا ، لكنّه واجب في أحوالٍ منها: ما إذا أفطر لاعتقاده أنّ اليوم من شعبان ، فتبيّن أنّه من رمضان ، لزمه الإمساك عن جميع المفطرات لحرمة الشّهر ، وإن كان لا يحتسب إمساكه هذا صومًا .
كذلك يلزم إمساك بقيّة اليوم لكلّ من أفطر في نهار رمضان والصّوم لازم له ، كالمفطر بغير عذرٍ ، والمفطر يظنّ أنّ الفجر لم يطلع وقد كان طلع ، أو ظنّ أنّ الشّمس قد غابت ولم تغب ، مع وجوب القضاء عند عامّة الفقهاء .
6-أمّا من يباح له الفطر وزال عذره في نهار رمضان كما لو بلغ الصّبيّ ، أو أفاق المجنون ، أو أسلم الكافر ، أو صحّ المريض أو أقام المسافر ، أو طهرت الحائض والنّفساء ، فالمالكيّة وكذا الشّافعيّة في الأصحّ والحنابلة في روايةٍ على عدم وجوب الإمساك عليهم بقيّة يومهم . وصرّح بعضهم باستحباب إمساكهم لحرمة الشّهر .
أمّا الحنفيّة والشّافعيّة في قولهم الثّاني والحنابلة في روايةٍ فقد صرّحوا بوجوب الإمساك عليهم بقيّة يومهم ، كما إذا قامت البيّنة على رؤية هلال رمضان في أثناء النّهار . وللفقهاء في صوم يوم الشّكّ خلاف وتفصيل ، لكن المالكيّة صرّحوا بأنّه يندب الإمساك عن المفطر في يوم الشّكّ بقدر ما جرت العادة بالثّبوت فيه ليتحقّق الحال .
وللتّفصيل في هذه المسائل يرجع إلى مصطلح ( صيام ) .
ثالثًا: الإمساك في القصاص:
7 -إن أمسك شخص إنسانًا وقتله آخر فلا خلاف أنّ القاتل يقتل قصاصًا . أمّا الممسك فإن لم يعلم أنّ الجاني كان يريد القتل فلا قصاص عليه اتّفاقًا ، لأنّه متسبّب والقاتل مباشر ، والقاعدة الفقهيّة تقول: ( إذا اجتمع المباشر والمتسبّب يضاف الحكم إلى المباشر ) .
كذلك إذا كان الإمساك بقصد القتل بحيث لولا إمساكه له لما أدركه القاتل مع علم الممسك بأنّ الجاني قاصد قتله فقتله الثّالث فالحنفيّة والشّافعيّة على أنّه لا يقتصّ من الممسك ، لتقديم المباشر على المتسبّب .
وقال مالك وهو رواية عن أحمد: يقتصّ من الممسك لتسبّبه كما يقتصّ من القاتل لمباشرته ، لأنّه لو لم يمسكه لما قدر القاتل على قتله ، وبإمساكه تمكّن من قتله ، فيكونان شريكين . وروي عن أحمد أنّ من أمسك شخصًا ليقتله الطّالب يحبس الممسك حتّى يموت . لأنّه أمسك القتيل حتّى الموت . وتفصيله في مصطلح ( قصاص )
رابعًا: الإمساك في الطّلاق: