التّعريف:س
1 -السّؤر لغةً: بقيّة الشّيء ، وجمعه أسآر ، وأسأر منه شيئًا أبقى ، وفي الحديث « إذا شربتم فأسئروا أي أبقوا شيئًا من الشّراب في قعر الإناء » ، وفي حديث الفضل بن عبّاس « ما كنت أوثر على سؤرك أحدًا » . ورجل سأر أي يبقي في الإناء من الشّراب .
ويقال: سأر فلان من طعامه وشرابه سؤرًا وذلك إذا أبقى بقيّةً . وبقيّة كلّ شيء سؤره . والسّؤر في الاصطلاح هو: فضلة الشّرب وبقيّة الماء الّتي يبقيها الشّارب في الإناء ، أو في الحوض ، ثمّ استعير لبقيّة الطّعام أو غيره .
قال النّوويّ: ومراد الفقهاء بقولهم: سؤر الحيوان طاهر أو نجس: لعابه ورطوبة فمه .
الحكم التّكليفيّ:
2 -اختلف الفقهاء في أحكام الأسآر على اتّجاهين:
أحدها: يذهب إلى طهارة الأسآر ، وهو مذهب المالكيّة .
والآخر: مذهب الجمهور الّذين يرون طهارة بعض الأسآر ونجاسة بعضها . والتّفصيل كما يلي:
3 -ذهب الحنفيّة إلى تقسيم الأسآر إلى أربعة أنواع:
النّوع الأوّل: سور متّفق على طهارته وهو سؤر الآدميّ بجميع أحواله مسلمًا كان أو كافرًا، صغيرًا كان أو كبيرًا ، ذكرًا أو أنثى ، طاهرًا أو نجسًا حائضًا أو نفساء أو جنبًا . « وقد أتي عليه الصلاة والسلام بلبن فشرب بعضه وناول الباقي أعرابيًّا كان على يمينه فشرب ، ثمّ ناوله أبا بكر رضي الله عنه فشرب ، وقال: الأيمن فالأيمن » .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: « كنت أشرب وأنا حائض ، ثمّ أناوله النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في فيشرب » .
ولأنّ سؤر الآدميّ متحلّب من لحمه ، ولحمه طاهر ، فكان سؤره طاهرًا ، إلاّ في حال شرب الخمر فيكون سؤره نجسًا ، لنجاسة فمه بالخمر .
ومن النّوع الأوّل المتّفق على طهارته سؤر ما يؤكل لحمه من الأنعام والطّيور إلاّ الجلّالة والدّجاجة المخلّاة ، لما روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم توضّأ بسؤر بعير أو شاة » ولأنّ سؤره متولّد من لحمه ولحمه طاهر .
أمّا سؤر الجلّالة والدّجاجة المخلّاة وهي الّتي تأكل النّجاسات حتّى أنتن لحمها فيكره استعماله لاحتمال نجاسة فمها ومنقارها . وإذا حبست حتّى يذهب نتن لحمها فلا كراهة في سؤرها . وأمّا سؤر الفرس فطاهر على قول أبي يوسف ومحمّد ، وظاهر الرّواية عن أبي حنيفة ، وهو الصّحيح ، لأنّ سؤره متحلّب من لحمه ، ولحمه طاهر ، ولأنّ كراهة لحمه عنده ليست لنجاسته بل لاحترامه ، لأنّه آلة الجهاد وإرهاب العدوّ ، وذلك منعدم في سؤره فلا يؤثّر فيه . ويرى أبو حنيفة في رواية أخرى عنه أنّ سؤره نجس بناءً على الرّواية الأخرى عنه بنجاسة لحمه .
ومن هذا النّوع: ما ليس له نفس سائلة أي دم سائل ، سواء كان يعيش في الماء أو في غيره فسؤره طاهر .
النّوع الثّاني: السّؤر الطّاهر المكروه وهو سؤر سباع الطّير كالبازي والصّقر والحدأة ونحوها فسؤرها طاهر ، لأنّها تشرب بمنقارها وهو عظم جافّ فلم يختلط لعابها بسؤرها ، ولأنّ صيانة الأواني عنها متعذّرة ، لأنّها تنقضّ من الجوّ فتشرب ، إلاّ أنّه يكره سؤرها ، لأنّ الغالب أنّها تتناول الجيف والميتات فأصبح منقارها في معنى منقار الدّجاجة المخلّاة . وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنّ سباع الطّير إن كان لا يتناول الميتات مثل البازي الأهليّ ونحوه فلا يكره الوضوء بسؤره .
ومن هذا النّوع سؤر سواكن البيوت كالفأرة والحيّة والوزغة والعقرب ونحوها من الحشرات الّتي لها دم سائل ، لأنّه يتعذّر صون الأواني منها .
ومن هذا النّوع أيضًا: سؤر الهرّة فهو طاهر ولكنّه مكروه لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « السّنّور سبع » .
ولقوله صلى الله عليه وسلم « يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرّات أولاهنّ أو آخرهنّ بالتّراب ، وإذا ولغت فيه الهرّة غسل مرّةً » .
والمعنى في كراهة سؤر الهرّة من وجهين:
أحدهما ما ذكره الطّحاويّ: وهو أنّ الهرّة نجسة لنجاسة لحمها ، وسؤرها نجس مختلط بلعابها المتولّد من لحمها النّجس ، ولكن سقطت نجاسة سؤرها اتّفاقًا ، لعلّة الطّواف المنصوصة في قوله صلى الله عليه وسلم: « إنّما هي من الطّوّافين عليكم أو الطّوّافات » . حيث إنّها تدخل المضائق وتعلو الغرف فيتعذّر صون الأواني منها .
ولمّا سقط حكم النّجاسة من سؤرها لضرورة الطّواف بقيت الكراهة ، لعدم تحاميها النّجاسة ولإمكان التّحرّز عنها في الجملة .
والثّاني: ما ذكره الكرخيّ وهو أنّ الهرّة ليست بنجسة - وإلى هذا ذهب أبو يوسف - لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نفى عنها النّجاسة بقوله: « إنّها ليست بنجس » .
ولكن يكره سؤرها لتوهّم أخذها الفأرة فصار فمها كيد المستيقظ من نومه .
فلو أكلت الفأرة ثمّ شربت الماء قال أبو حنيفة: إن شربته على الفور تنجّس الماء ، وإن مكثت ساعةً ولحست فمها ثمّ شربت فلا يتنجّس بل يكره .
وقال أبو يوسف ومحمّد: يتنجّس الماء بناءً على ما ذكراه في سؤر شارب الخمر ، وهو أنّ صبّ الماء شرط في التّطهير عند أبي يوسف ولم يوجد ، وإنّ ما سوى الماء من المائعات ليس بطهور عند محمّد .