فهرس الكتاب

الصفحة 999 من 2053

رعاف *

التّعريف:

1 -الرّعاف لغةً: اسم من رعف رعفًا ، وهو خروج الدّم من الأنف ، وقيل: الرّعاف الدّم نفسه ، وأصله السّبق والتّقدّم ، وفرس راعف أي سابق ، وسمّي الرّعاف بذلك لأنّه يسبق علم الشّخص الرّاعف .

ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغويّ .

الأحكام المتعلّقة بالرّعاف:

انتقاض الوضوء بالرّعاف:

2 -ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ الوضوء لا ينتقض بخروج شيءٍ من غير السّبيلين كدم الفصد ، والحجامة ، والقيء ، والرّعاف ، سواء قلّ ذلك أو كثر ، لما روى أنس رضي الله عنه:» أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم احتجم فصلّى ولم يتوضّأ ولم يزد على غسل محاجمه « . وبهذا قال عمر ، وابن عبّاسٍ وابن أبي أوفى ، وجابر وأبو هريرة ، وعائشة وسعيد بن المسيّب وسالم بن عبد اللّه بن عمر ، والقاسم بن محمّدٍ ، وطاوس ، وعطاء ، ومكحول وربيعة ، وأبو ثورٍ .

قال البغويّ: وهو قول أكثر الصّحابة .

ويرى الحنابلة أنّ الرّعاف لا ينقض الوضوء إلاّ إذا كان فاحشًا كثيرًا .

أمّا كون الكثير ينقض الوضوء ، فلقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة لفاطمة بنت أبي حبيشٍ عن دم الاستحاضة: » إنّما ذلك عرق ، وليست بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصّلاة « ، وفي روايةٍ: » توضّئي لكلّ صلاةٍ « . ولأنه نجاسة خارجة من البدن أشبهت الخارج من السّبيل .

وأمّا كون القليل لا ينقض فلمفهوم قول ابن عبّاسٍ في الدّم إذا كان فاحشًا فعليه الإعادة . قال أحمد: عدّة من الصّحابة تكلّموا فيه ، وابن عمر عصر بثرةً فخرج الدّم فصلّى ولم يتوضّأ ، وابن أبي أوفى عصر دمّلًا ، وذكر أحمد غيرهما ، ولم يعرف لهم مخالف من الصّحابة فكان إجماعًا .

ويرى الحنفيّة القائلون بنقض الوضوء بسيلان الدّم عن موضعه أنّ الرّعاف ينقض الوضوء، وكذا لو نزل الدّم من الرّأس إلى ما لان من الأنف ولم يظهر على الأرنبة نقض الوضوء .

وهو مذهب الثّوريّ والأوزاعيّ وأحمد وإسحاق ، قال الخطّابيّ: وهو قول أكثر الفقهاء ، وحكاه غيره عن عمر بن الخطّاب وعليٍّ رضي الله عنهما ، وعن عطاءٍ ، وابن سيرين ، وابن أبي ليلى .

واستدلّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » الوضوء من كلّ دمٍ سائلٍ « ووجه الاستدلال أنّ مثل هذا التّركيب يفهم منه الوجوب .

كما احتجّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضّأ ثمّ ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلّم « .

ونقل العينيّ أنّ وجه الاستدلال بالحديث من وجوهٍ:

الأوّل: أنّه أمر بالبناء وأدنى درجات الأمر الإباحة والجواز ، ولا جواز للبناء إلاّ بعد الانتقاض ، فدلّ بعبارته على البناء وعلى الانتقاض بمقتضاه .

والثّاني: أنّه أمر بالوضوء ومطلق الأمر للوجوب .

والثّالث: أنّه أباح الانصراف ، وهو لا يباح بعد الشّروع إلاّ به .

هذا ومن يرى أنّ الرّعاف ينقض الوضوء يعتبر الرّعاف الدّائم عذرًا من الأعذار الّتي تبيح العبادة مع وجود العذر .

3 -وشرط اعتبار الرّعاف عذرًا ابتداءً عند هؤلاء الفقهاء أن يستوعب استمراره وقت الصّلاة كاملًا . بمعنى أنّ من حصل له الرّعاف واستمرّ لم يجز له أن يصلّي أوّل صلاةٍ إلاّ في آخر وقتها ، لعدم ثبوت حكم دائم الحدث له ، واحتمال انقطاعه ، فإن استمرّ الحدث إلى آخر وقت الصّلاة ثبت له حكم دائم الحدث ، فيصحّ أن يصلّي الثّانية أو ما بعدها في أوّل وقتها .

كما يشترط أن لا يمضي على الرّاعف وقت صلاةٍ إلاّ والرّعاف فيه موجود ، حتّى لو انقطع الرّعاف وقتًا كاملًا خرج من أن يكون صاحب عذرٍ من وقت الانقطاع .

4 -ومن به رعاف دائم يتوضّأ لوقت كلّ صلاةٍ ، ويصلّي به ما شاء من الفرائض والنّوافل، هذا عند الحنفيّة والحنابلة إن خرج منه الدّم ، أمّا إن لم يخرج منه شيء فلا يتوضّأ عندهم .

وينتقض وضوء الرّاعف بخروج الوقت عند أبي حنيفة ، ومحمّدٍ ، والحنابلة ، وعند زفر ينتقض بدخول الوقت . وعند أبي يوسف بأيّهما كان ، وهو قول أبي يعلى .

أمّا المالكيّة فإنّهم يقولون: إنّ من رعف قبل الدّخول في الصّلاة فإنّه يؤخّر الصّلاة لآخر الوقت الاختياريّ إذا كان يرجو انقطاع الرّعاف ، أمّا إذا علم أنّه لا ينقطع فإنّه يصلّي به على تلك الحال في أوّل الوقت ، إذ لا فائدة في تأخيره ، ثمّ إن انقطع في وقته ليست عليه إعادة .

بناء الرّاعف على صلاته:

5 -يرى الحنفيّة والمالكيّة أنّ الرّعاف لا يفسد الصّلاة فيجوز للرّاعف البناء على صلاته لما روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: » من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضّأ ثمّ ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلّم « ولما روي أنّ عليًّا رضي الله عنه كان يصلّي خلف عثمان رضي الله عنه فرعف فانصرف وتوضّأ وبنى على صلاته .

ونقل الباجيّ عن القاضي أبي محمّدٍ إجماع الصّحابة على أنّ الرّعاف لا يبطل الصّلاة ولا يمنع البناء .

وقال المالكيّة: الدّم من الخبث لا تصحّ الصّلاة معه مع الذّكر والقدرة كسائر النّجاسات . فمن رعف في الصّلاة وظنّ دوامه لآخر الوقت المختار تمادى في صلاته وجوبًا على حالته الّتي هو بها ، ولا فائدة في القطع ما لم يخش من تماديه تلطّخ فرش المسجد ولو خشيه ولو بقطرةٍ قطع صونًا للمسجد من النّجاسة .

وإن لم يظنّ دوامه لآخر المختار بل ظنّ انقطاعه فيه أو شكّ فلا يخلو إمّا أن يكون سائلًا ، أو قاطرًا ، أو راشحًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت