التّعريف
1 -الرّكوع لغةً: الانحناء ، يقال: ركع يركع ركوعًا وركعًا ، إذا طأطأ رأسه أو حنى ظهره ، وقال بعضهم: الرّكوع هو الخضوع ، ويقال: ركع الرّجل إذا افتقر بعد غنًى وانحطّت حاله ، وركع الشّيخ: انحنى ظهره من الكبر . والرّاكع: المنحني ، وكلّ شيءٍ ينكبّ لوجهه فتمسّ ركبته الأرض أو لا تمسّها بعد أن ينخفض رأسه فهو راكع ، وجمع الرّاكع ركّع وركوع . وركوع الصّلاة في الاصطلاح: هو طأطأة الرّأس أي خفضه ، لكن مع انحناءٍ في الظّهر على هيئةٍ مخصوصةٍ في الصّلاة . وهي أن ينحني المصلّي بحيث تنال راحتاه ركبتيه مع اعتدال خلقته وسلامة يديه وركبتيه ، وذلك بعد القومة الّتي فيها القراءة . أمّا في غير الصّلاة فهو لا يخرج عن المعنى اللّغويّ .
( الألفاظ ذات الصّلة ) :
أ - الخضوع .
2 -الخضوع لغةً: الذّلّ والاستكانة والانقياد والمطاوعة ، ويقال: رجل أخضع ، وامرأة خضعاء وهما: الرّاضيان بالذّلّ . وخضع الإنسان: أمال رأسه إلى الأرض أو دنا منها ، وهو تطامن العنق ودنوّ الرّأس من الأرض ، والخضوع: التّواضع والتّطامن ، وهو قريب من الخشوع يستعمل في الصّوت ، والخضوع يستعمل للأعناق . والخضوع أعمّ من الرّكوع ، إذ الرّكوع هيئة خاصّة .
ب - السّجود:
3 -السّجود لغةً: مصدر سجد ، وأصل السّجود التّطامن والخضوع والتّذلّل ، يقال: سجد البعير إذا خفض رأسه عند ركوبه ، وسجد الرّجل إذا وضع جبهته على الأرض . والسّجود في الاصطلاح: وضع الجبهة أو بعضها على الأرض ، أو ما اتّصل بها من ثابتٍ مستقرٍّ على هيئةٍ مخصوصةٍ في الصّلاة . ففي كلٍّ من الرّكوع والسّجود نزول من قيامٍ ، لكنّ النّزول في السّجود أكثر منه في الرّكوع .
أوّلًا: الرّكوع في الصّلاة: ( الحكم التّكليفيّ ) :
4 -أجمعت الأمّة على أنّ الرّكوع ركن من أركان الصّلاة لقوله تعالى: { يا أيّها الّذين آمنوا اركعوا واسجدوا } الآية ، وللأحاديث الثّابتة ، منها قوله صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء صلاته: عن أبي هريرة { أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دخل المسجد ، فدخل رجل فصلّى ، فسلّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فردّ ، وقال: ارجع فصلّ ، فإنّك لم تصلّ ، فرجع يصلّي كما صلّى ، ثمّ جاء فسلّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فصلّ فإنّك لم تصلّ - ثلاثًا - فقال: والّذي بعثك بالحقّ ما أحسن غيره ، فعلّمني ، فقال: إذا قمت إلى الصّلاة فكبّر ، ثمّ اقرأ ما تيسّر معك من القرآن ، ثمّ اركع حتّى تطمئنّ راكعًا ثمّ ارفع حتّى تعدل قائمًا ، ثمّ اسجد حتّى تطمئنّ ساجدًا ، ثمّ ارفع حتّى تطمئنّ جالسًا ، وافعل ذلك في صلاتك كلّها } » .
الطّمأنينة في الرّكوع:
5 -ذهب جمهور الفقهاء ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف من الحنفيّة ) إلى أنّ الطّمأنينة في الرّكوع بقدر تسبيحة فرضٍ ، لا تصحّ الصّلاة بدونها . ومن أدلّة الجمهور على وجوب الطّمأنينة: قوله صلى الله عليه وسلم في قصّة المسيء صلاته: { ثمّ اركع حتّى تطمئنّ راكعًا } . الحديث . ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: { أسوأ النّاس سرقةً الّذي يسرق من صلاته ، قالوا: يا رسول اللّه ، وكيف يسرق من صلاته ؟ قال: لا يتمّ ركوعها ولا سجودها } . وروي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم { أنّه كان إذا ركع استوى ، فلو صبّ على ظهره الماء لاستقرّ ، وذلك لاستواء ظهره ولاطمئنانه فيه } . وحديث أبي مسعودٍ البدريّ رضي الله عنه قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: { لا تجزئ صلاة الرّجل حتّى يقيم ظهره في الرّكوع والسّجود } . وفي روايةٍ { لا تجزئ صلاة لا يقيم الرّجل فيها صلبه في الرّكوع والسّجود } . قال التّرمذيّ: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم . وقد رأى أبو حذيفة رضي الله عنه رجلًا لا يتمّ الرّكوع والسّجود فقال: ما صلّيت ، ولو متّ متّ على غير الفطرة الّتي فطر اللّه عليها محمّدًا صلى الله عليه وسلم فإذا رفع رأسه من الرّكوع ثمّ شكّ هل أتى بقدر الإجزاء أو لا ، لا يعتدّ به ويلزمه إعادة الرّكوع ، لأنّ الأصل عدم ما شكّ فيه . وذهب الحنفيّة إلى أنّ الطّمأنينة في الرّكوع ليست فرضًا ، وأنّ الصّلاة تصحّ بدونها ; لأنّ المفروض من الرّكوع أصل الانحناء والميل ، فإذا أتى بأصل الانحناء فقد امتثل ، لإتيانه بما ينطلق عليه الاسم الوارد في قوله تعالى: { يا أيّها الّذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم } . الآية . أمّا الطّمأنينة فدوام على أصل الفعل ، والأمر بالفعل لا يقتضي الدّوام . وهي عندهم من واجبات الصّلاة ، ولهذا يكره تركها عمدًا ، ويلزمه سجود السّهو إذا تركها ساهيًا ، وذكر أبو عبد اللّه الجرجانيّ أنّها سنّة عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ولا يلزم بتركها سجود السّهو ، وروى الحسن عن أبي حنيفة فيمن لم يقم صلبه في الرّكوع ، إن كان إلى القيام أقرب منه إلى تمام الرّكوع لم يجزه ، وإن كان إلى تمام الرّكوع أقرب منه إلى القيام أجزأه ، إقامةً للأكثر مقام الكلّ .
هيئة الرّكوع: