6 -الهيئة المجزئة في الرّكوع أن ينحني انحناءً خالصًا قدر بلوغ راحتيه ركبتيه بطمأنينةٍ ، بحيث ينفصل رفعه من الرّكوع عن هويّه ، على أن يقصد من هويّه الرّكوع ، وهذا في معتدل الخلقة من النّاس لا طويل اليدين ولا قصيرهما ، فلو طالت يداه أو قصرتا أو قطع شيء منهما أو من أحدهما لم يعتبر ذلك ، ولم يزد على تسوية ظهره ، فإن لم تقرب راحتاه من ركبتيه بالحيثيّة المذكورة لم يكن ذلك ركوعًا ، ولم تخرجه عن حدّ القيام إلى الرّكوع ، وكذا إن قصد من هبوطه غير الرّكوع . والعاجز ينحني قدر إمكانه ، فإن عجز عن الانحناء أصلًا أومأ برأسه ثمّ بطرفه ، ولو عجز عن القيام وصلّى قاعدًا ينحني لركوعه بحيث تحاذي جبهته ما قدّام ركبتيه من الأرض ، والأكمل أن تحاذي جبهته موضع سجوده . وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ أكمل هيئات الرّكوع أن ينحني المصلّي بحيث يستوي ظهره وعنقه ، ويمدّهما كالصّحيفة ، ولا يخفض ظهره عن عنقه ولا يرفعه ، وينصب ساقيه إلى الحقو ، ولا يثني ركبتيه ، ويضع يديه على ركبتيه ، ويأخذ ركبتيه بيديه ، ويفرّق أصابعه حينئذٍ ، فإن كانت إحدى يديه مقطوعةً أو عليلةً ، فعل بالأخرى ما ذكرنا ، وفعل بالعليلة الممكن ، فإن لم يمكنه وضع اليدين على الرّكبتين أرسلهما ، ويجافي الرّجل مرفقيه عن جنبيه ، أمّا المرأة فتضمّ بعضها إلى بعضٍ ، ولو لم يضع يديه على ركبتيه ولكن بلغ ذلك القدر أجزأه ، إلاّ أنّه يكره التّطبيق في الرّكوع ، وهو أن يجعل المصلّي إحدى كفّيه على الأخرى ثمّ يجعلهما بين ركبتيه أو فخذيه إذا ركع . والتّطبيق كان مشروعًا في أوّل الإسلام ثمّ نسخ ، قال { مصعب بن سعد بن أبي وقّاصٍ رضي الله عنه: صلّيت إلى جنب أبي فطبّقت بين كفّيّ ، ثمّ وضعتهما بين فخذيّ ، فنهاني أبي وقال: كنّا نفعله فنهينا عنه ، وأمرنا أن نضع أيدينا على الرّكب } . وعن أبي حميدٍ السّاعديّ رضي الله عنه قال: { أنا أعلمكم بصلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قالوا: فاعرض ، فقال: كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصّلاة اعتدل قائمًا ورفع يديه حتّى يحاذي بهما منكبيه ، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتّى يحاذي بهما منكبيه ، ثمّ قال: اللّه أكبر ، وركع ، ثمّ اعتدل ، فلم يصوّب رأسه ولم يقنع ، ووضع يديه على ركبتيه . الحديث . قالوا - أي الصّحابة رضي الله عنهم -: صدقت ، هكذا صلّى النّبيّ صلى الله عليه وسلم } . وذكر أبو حميدٍ: { أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وضع يديه على ركبتيه كأنّه قابض عليهما } . وذهب قوم من السّلف منهم عبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنه إلى أنّ التّطبيق في الرّكوع سنّة لما رواه من أنّه رأى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يفعله .
رفع اليدين عند تكبير الرّكوع:
7 -ذهب جمهور الفقهاء من الشّافعيّة والحنابلة وهو رواية عن مالكٍ إلى أنّ رفع اليدين عند تكبيرة الرّكوع وعند الرّفع منه سنّة ثابتة ، فيرفع يديه إلى حذو منكبيه كفعله عند تكبيرة الإحرام ، أي يبدأ رفع يديه عند ابتداء تكبيرة الرّكوع وينتهي عند انتهائها ، لتضافر الأحاديث الصّحيحة في ذلك ، منها ما روى محمّد بن عمرو بن عطاءٍ أنّه سمع أبا حميدٍ في عشرةٍ من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أحدهم أبو قتادة رضي الله عنه قال: { أنا أعلمكم بصلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فذكر صفة صلاته ، وفيه أنّه رفع يديه عند الرّكوع } . وقال البخاريّ: قال الحسن وحميد بن هلالٍ: كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم - يعني عند الرّكوع - . وإلى هذا ذهب الأوزاعيّ وعلماء الحجاز والشّام والبصرة . وقال الحنفيّة والثّوريّ وابن أبي ليلى وإبراهيم النّخعيّ وهو المشهور عن مالكٍ: إنّ المصلّي لا يرفع يديه إلاّ لتكبيرة الإحرام . لأدلّةٍ منها: قول عبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنه: لأصلّينّ بكم صلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فلم يرفع يديه إلاّ في أوّل مرّةٍ . وقول البراء بن عازبٍ رضي الله عنه: { إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصّلاة رفع يديه إلى قريبٍ من أذنيه ثمّ لا يعود } . وقول ابن مسعودٍ رضي الله عنه: { صلّيت خلف النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما فلم يرفعوا أيديهم إلاّ عند افتتاح الصّلاة } .
التّكبير عند ابتداء الرّكوع: