التّعريف:
1 -الكفر في اللغة: السّتر , يقال: كفر النّعمة , أي: غطّاها , مستعار من كفر الشّيء: إذا غطّاه , وهو أصل الباب .
والكفر نقيض الإيمان , والكفر: كفر النّعمة , وهو نقيض الشكر , وكَفَر النّعمة وبالنّعمة: جحدها , وكفر بكذا تبرّأ منه , وفي التّنزيل: { إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } , ويقال: كفر بالصّانع: نفاه وعطّل , وهو الدّهري الملحد , وكفّره - بالتّشديد -: نسبه إلى الكفر , وكفّر عن يمينه: إذا فعل الكفّارة , وأكفرته إكفارًا: جعلته كافرًا .
والكفر شرعًا: هو إنكار ما علم ضرورةً أنّه من دين محمّدٍ صلى الله عليه وسلم كإنكار وجود الصّانع , ونبوّته عليه الصّلاة والسّلام , وحرمة الزّنا ونحو ذلك .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - الرّدّة:
2 -الرّدّة لغةً: الرجوع عن الشّيء .
وفي الاصطلاح: هي كفر المسلم بقول صريحٍ أو لفظٍ يقتضيه أو فعلٍ يتضمّنه .
والكفر أعم من الرّدّة , لأنّه قد يكون كفرًا أصليًا بخلاف الرّدّة .
ب - الإشراك:
3 -الإشراك مصدر أشرك , وهو: اتّخاذ الشّريك , يقال: أشرك باللّه , جعل له شريكًا في ملكه ، والاسم: الشّرك .
والفقهاء يستعملون الإشراك بمعنى الاشتراك في المعاملات , وبمعنى الكفر باللّه تعالى . والإشراك أعم من الكفر , لأنّه يشمل الإشراك في المعاملات ويشمل الكفر باللّه تعالى .
ج - الإلحاد:
4 -الإلحاد في اللغة: الميل والعدول عن الشّيء .
وفي الاصطلاح: قال ابن عابدين: الإلحاد في الدّين: هو الميل عن الشّرع القويم إلى جهةٍ من جهات الكفر .
ومن الإلحاد: الطّعن في الدّين مع ادّعاء الإسلام , أو التّأويل في ضرورات الدّين لإجراء الأهواء .
والصّلة بين الكفر والإلحاد: أنّ الإلحاد قد يكون نوعًا من الكفر .
الحكم التّكليفي:
5 -الكفر حرام وهو أعظم الذنوب قال اللّه تعالى: { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْم عَظِيم } , وفي الحديث أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: « ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر الإشراك باللّه وعقوق الوالدين » .
جزاء الكافر في الآخرة والدنيا:
6 -جزاء الكافر في الآخرة الخلود في النّار لقول اللّه تعالى: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } .
وأمّا في الدنيا فيختلف حكم الكافر في حالة العهد عنه في غير حالة العهد: ففي غير حالة العهد يجوز قتل المقاتلين من الكفّار , لأنّ كلّ من يقاتل يجوز قتله .
( ر: أهل الحرب ف 11 ) .
ولا يجوز قتل النّساء والصّبيان والمجانين والخنثى المشكل باتّفاق الفقهاء , وكذلك لا يجوز قتل الشيوخ عند جمهور الفقهاء .
وصرّح الحنابلة بأنّ الفلاح الّذي لا يقاتل لا ينبغي أنّ يقتل لما روي عن عمر رضي الله عنه أنّه قال: اتّقوا اللّه في الفلاحين الّذين لا ينصبون لكم الحرب .
وقال الأوزاعي: لا يقتل الحرّاث إذا علم أنّه ليس من المقاتلة .
( ر: جهاد ف 29 ) .
وأمّا في حالة العهد فيعصم دم الكافر وماله بتفصيل في مصطلحات: ( أهل الذّمّة , مستأمن , هدنة ) .
الإكراه على الكفر:
7 -من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر لم يصر كافرًا لقول اللّه تعالى: { مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِن بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَب مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَاب عَظِيم } .
وورد أنّ عمّارًا رضي الله عنه أخذه المشركون فلم يتركوه حتّى سبّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير ثمّ أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال له النّبي: « إنّ عادوا فعد » .
قال ابن قدامة: وروي أنّ الكفّار كانوا يعذّبون المستضعفين من المؤمنين فما منهم أحد إلا أجابهم إلا بلالًا فإنّه كان يقول: أحد أحد , وقال النّبي صلى الله عليه وسلم: « إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » , ولأنّه قول أكره عليه بغير حقٍّ فلم يثبت حكمه , كما لو أكره على الإقرار .
وهذا أصل متّفق عليه , إلا أنّ للفقهاء تفصيلاتٍ وقيودًا تختلف من مذهبٍ إلى مذهبٍ وبيانها كما يأتي:
ذهب الحنفيّة إلى أنّ الإكراه على الكفر لا بدّ أن يكون إكراهًا تامًّا , جاء في الهداية وشروحها: إن أكره على الكفر باللّه تعالى - والعياذ باللّه - أو سبّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بقيد أو حبسٍ أو ضربٍ لم يكن ذلك إكراهًا حتّى يكره بأمر يخاف منه على نفسه , أو على عضوٍ من أعضائه , فإذا خاف على ذلك وسعه أنّ يظهر ما أمر به .
وجاء في الدرّ المختار وحاشية ابن عابدين عليه: ويورّي وقلبه مطمئن بالإيمان , ثمّ إن ورّى لا يكفر كما إذا أكره على السجود للصّليب , أو سبّ محمّدٍ صلى الله عليه وسلم ففعل وقال: نويت به الصّلاة للّه تعالى ومحمّدًا آخر غير النّبيّ , وبانت منه امرأته قضاءً لا ديانةً .
وإن خطر بباله التّورية ولم يورّ كفر وبانت منه زوجته ديانةً وقضاءً , لأنّه أمكنه دفع ما أكره عليه عن نفسه ووجد مخرجًا عمّا أبتلي به ثمّ لمّا ترك ما خطر على باله وشتم محمّدًا صلى الله عليه وسلم كان كافرًا , وإن وافق المكره فيما أكرهه , لأنّه وافقه بعدما وجد مخرجًا عمّا أبتلي به , فكان غير مضطرٍّ .
وإنّ لم يخطر بباله شيء وفعل ما يكفر به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يكفر ولم تبن زوجته لا قضاءً ولا ديانةً , لأنّه تعيّن ما أكره عليه ولم يمكنه دفعه عن نفسه إذ لم يخطر بباله غيره .