التّعريف:
1 -من معاني التّتابع في اللّغة: الموالاة . يقال تابع فلان بين الصّلاة وبين القراءة: إذا والى بينهما ، ففعل هذا على أثر هذا بلا مهلة بينهما . وتتابعت الأشياء: تبع بعضها بعضًا . وتابع بين الأمور متابعةً وتباعًا: واتر ووالى . ولا يخرج معناه الاصطلاحيّ عن ذلك .
الحكم الإجماليّ:
2 -التّتابع يكون في صوم الكفّارات ، ويكون في الاعتكاف ، ويكون في الوضوء والغسل ، ويسمّى غالبًا ( الموالاة ) وتنظر أحكامه في ( الوضوء والغسل ) .
التّتابع في الصّوم في كفّارة اليمين:
3 -إذا لم يجد الحانث في يمينه ما يكفّر به عنها ، من إطعام عشرة مساكين ، أو كسوتهم ، أو تحرير رقبة أو عجز عن ذلك ، كان عليه أن ينتقل إلى الصّوم ، فيصوم ثلاثة أيّام . والأصل في ذلك قول اللّه تبارك وتعالى: { لا يؤاخِذُكم اللّهُ باللَّغْوِ في أيمانِكم ولكنْ يؤاخِذُكم بما عَقَّدْتُم الأيمانَ فكفّارتُه إطعامُ عَشَرَةِ مساكينَ من أوسطِ ما تُطْعمون أهليكم أو كِسْوتهم أو تحريرُ رَقبةٍ فمن لم يَجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيّامٍ ذلك كفّارةُ أيمانِكم إذا حَلَفْتُم } .
واختلف الفقهاء في التّتابع ، فذهب الحنفيّة وهو الأصحّ عند الحنابلة ، وهو قول للشّافعيّة: إلى وجوب التّتابع ، للقراءة الشّاذّة لابن مسعود فصيام ثلاثة أيّام متتابعات . وذهب المالكيّة - وهو قول للشّافعيّة - إلى جواز صومها متتابعةً أو متفرّقةً . ر: ( كفّارة اليمين ) .
التّتابع في الصّوم في كفّارة الظّهار:
4 -يأتي الصّوم في المرتبة الثّانية بعد العتق في كفّارة الظّهار ، كما في قوله تعالى: { والّذينَ يُظَاهِرُون من نسائِهم ثمّ يَعُودونَ لِمَا قالوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أنْ يَتَماسَّا ذلكمْ تُوعظونَ به واللّهُ بما تعملونَ خبيرٌ . فمنْ لم يَجِدْ فصيامُ شهرين مُتَتَابعين من قبلِ أن يَتَمَاسَّا فمنْ لم يستطعْ فإطعامُ ستّينَ مِسْكينًا ذلك لِتُؤمنوا باللّهِ ورسولِهِ وتلك حدودُ اللّهِ وللكافرينَ عذابٌ أليمٌ } . فإن لم يجد المظاهر ما يعتق كما في الآية الأولى انتقل إلى الصّيام ، فيصوم شهرين متتابعين كما في صدر الآية الثّانية ، ليس فيهما رمضان ، ويوما العيد ، وأيّام التّشريق ، وذلك من قبل أن يتماسّا . فإن جامعها في الشّهرين ليلًا أو نهارًا عامدًا أو ناسيًا بعذر أو بغير عذر استقبل ، لقوله تعالى: { مِنْ قبلِ أنْ يَتَمَاسَّا } .
وبهذا أخذ الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة والحنابلة في وجوب التّتابع ، إلاّ أنّ الشّافعيّة قالوا: إذا جامعها ليلًا قبل أن يكفّر يأثم ولا يبطل التّتابع . ر: ( كفّارة الظّهار ) .
التّتابع في الصّوم في كفّارة الفطر في نهار رمضان:
5 -تجب الكفّارة بالجماع في نهار رمضان باتّفاق . وتجب بالأكل أو الشّرب عمدًا عند الحنفيّة والمالكيّة ، والكفّارة تكون بالعتق أو الصّوم أو الإطعام .
وتأتي مرتبة الصّوم بعد العتق عند الحنفيّة والشّافعيّة وجمهور الحنابلة ، وفي رواية عن أحمد أنّها على التّخيير بين العتق والصّيام والإطعام وبأيّها كفّر أجزأه ، وهذا بناءً على أنّ أو للتّخيير لما روى أبو هريرة « أنّ رجلًا أفطر في رمضان ، فأمره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يكفّر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستّين مسكينًا » .
وعند المالكيّة كفّارته على التّخيير أيضًا ، ولكنّهم فضّلوا الإطعام على العتق فجعلوه أوّلًا ، لأنّه أكثر نفعًا لتعدّيه لأفراد كثيرة ، وفضّلوا العتق على الصّوم ، لأنّ نفعه متعدّ للغير دون الصّوم ، فالصّوم عندهم في المرتبة الثّالثة .
وسواء كان هذا أو ذاك ، فإنّ صوم كفّارة الفطر في رمضان شهران متتابعان عند الأئمّة الأربعة . لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: « بينما نحن جلوس عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل ، فقال: يا رسول اللّه: هلكت ، قال: ما لك ؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم . فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبةً تعتقها ؟ قال: لا . قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال: لا . قال: فهل تجد إطعام ستّين مسكينًا ؟ قال: لا . قال: فمكث النّبيّ صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك ، أُتِيَ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر - والعرق: المكتل - قال: أين السّائل ؟ فقال: أنا . قال: خذ هذا فتصدّق به . فقال الرّجل: على أفقر منّي يا رسول اللّه ؟ فواللّه ما بين لابَتَيْها - يريد الحرّتين - أهلُ بيت أفقر من أهل بيتي . فضحك النّبيّ صلى الله عليه وسلم حتّى بدت أنيابه ، ثمّ قال: أَطْعِمْه أهلَكَ » .
الصّوم في كفّارة القتل:
6 -يأتي في المرتبة الثّانية بعد العجز عن العتق ، كما في قوله تعالى: { ومنْ قتلَ مُؤْمنًا خَطَأً فتحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهلِهِ إلاّ أنْ يَصَّدَّقُوا } إلى قوله تعالى: { فمنْ لمْ يجدْ فصيامُ شَهْرينِ متتابعينِ تَوْبَةً من اللّهِ وكانَ اللّهُ عليمًا حكيمًا } .
فالتّتابع في صيام هذين الشّهرين واجب اتّفاقًا . ر: ( كفّارة القتل ) .
التّتابع في صوم النّذر: