التعريف:
1 -الإشارة لغةً: التّلويح بشيءٍ يفهم منه ما يفهم من النّطق ، فهي الإيماء إلى الشّيء بالكفّ والعين والحاجب وغيرها . وأشار عليه بكذا: أبدى له رأيه ، والاسم الشّورى .
وهي عند الإطلاق حقيقةٌ في الحسّيّة ، وتستعمل مجازًا في الذّهنيّة ، كالإشارة بضمير الغائب ونحوه ، فإن عدّي"إلى"تكون بمعنى الإيماء باليد ، ونحوها ، وإن عدّي ب"على"تكون بمعنى الرّأي .
والإشارة في اصطلاح الفقهاء مثلها في اللّغة ، ويستعملها الأصوليّون في مبحث الدّلالات ، ويعرّفون دلالة الإشارة بأنّها: دلالة اللّفظ على ما لم يقصد به ، ولكنّه لازمٌ له . كدلالة قوله تعالى: { لا جناح عليكم إن طلّقتم النّساء ما لم تمسّوهنّ أو تفرضوا لهنّ فريضةً } على صحّة النّكاح بدون ذكر المهر ، لأنّ صحّة الطّلاق فرع صحّة النّكاح .
أمّا عبارة النّصّ فهي المعنى الّذي يتبادر فهمه من صيغته ، ويكون هو المقصود من سياقه ، وسيأتي تفصيل ما يتّصل بذلك في الملحق الأصوليّ .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - الدّلالة:
2 -الدّلالة: كون الشّيء بحيث يفهم منه شيءٌ آخر ، كدلالة اللّفظ على المعنى ، وهي أعمّ من الإشارة .
ب - الإيماء:
3 -الإيماء: مرادفٌ للإشارة لغةً ، وعند الأصوليّين عرّفه بعضهم بأنّه: إلقاء المعنى في النّفس بخفاءٍ .
صفتها: الحكم الإجماليّ:
4 -الإشارة تقوم مقام اللّفظ في أغلب الأمور ، لأنّها تبيّن المراد كالنّطق ، ولكنّ الشّارع يقيّد النّاطقين بالعبارة في بعض التّصرّفات كالنّكاح ، فإذا عجز إنسانٌ عنها ، أقام الشّارع إشارته مقام نطقه في الجملة .
إشارة الأخرس:
5 -إشارة الأخرس معتبرةٌ شرعًا ، وتقوم مقام عبارة النّاطق فيما لا بدّ فيه من العبارة ، إذا كانت معهودةً في جميع العقود كالبيع ، والإجارة ، والرّهن ، والنّكاح ، والحلول: كالطّلاق ، والعتاق ، والإبراء . وغير ذلك كالأقارير - ما عدا الإقرار بالحدود ، ففيه خلافٌ كما يأتي قريبًا - والدّعاوى"والإسلام ."
وهذا القدر متّفقٌ عليه بين الفقهاء فيما نعلم ، وفي اللّعان والقذف خلافٌ . فقد قال الحنفيّة وبعض الحنابلة: إنّ الإشارة لا تقوم مقام النّطق فيهما ، لأنّ في الإشارة شبهةٌ يدرأ بها الحدّ ، وقال مالكٌ والشّافعيّ وبعض الحنابلة: إشارة الأخرس كنطقه فيهما .
ولا فرق في اعتبار إشارة الأخرس بين أن يكون قادرًا على الكتابة ، أو عاجزًا عنها ، ولا بين أن يكون الخرس أصالةً أو طارئًا عند جمهور الفقهاء .
ونقل عن المتولّي من الشّافعيّة: إنّما تعتبر إشارة الأخرس إذا كان عاجزًا عن الكتابة ، لأنّها أضبط . ولم يفرّق المالكيّة بين إشارة الأخرس وكتابته ، فظاهره أنّه لا يشترط لقبول إشارته العجز عن الكتابة .
ويشترط الحنفيّة لقبول إشارته ما يلي:
أ - أن يكون قد ولد أخرس ، أو طرأ عليه الخرس ودام حتّى الموت . وهذه رواية الحاكم عن أبي حنيفة ، وفي هذا من الحرج ما فيه ، وقدّر التّمرتاشيّ الامتداد لسنةٍ .
وفي التتارخانية: أنّه إذا طرأ عليه الخرس ودام حتّى صارت إشارته مفهومةً اعتبرت إشارته كعبارته وإلاّ لم تعتبر .
ب - ألاّ يقدر على الكتابة . جاء في تكملة حاشية ابن عابدين: قال الكمال: قال بعض الشّافعيّة: إن كان يحسن الكتابة لا يقع طلاقه بالإشارة ، لاندفاع الضّرورة بما هو أدلّ على المراد من الإشارة ، وهو قولٌ حسنٌ ، وبه قال بعض مشايخنا .
قال ابن عابدين: بل هذا القول تصريحٌ بما هو مفهومٌ من ظاهر الرّواية ، ففي كافي الحاكم الشّهيد ما نصّه: فإن كان الأخرس لا يكتب ، وكان له إشارةٌ تعرف في طلاقه ، ونكاحه ، وشرائه ، وبيعه فهو جائزٌ ، وإن كان لم يعرف ذلك منه أو شكّ فيه فهو باطلٌ . ثمّ قال: فيفيد أنّه إن كان يحسن الكتابة لا تجوز إشارته .وفي الأشباه والنّظائر: أنّ المعتمد أنّ عدم القدرة على الكتابة ليس شرطًا للعمل بالإشارة .
وقال السّيوطيّ والزّركشيّ من الشّافعيّة: يستثنى من هذه القاعدة المتقدّمة في إقامة إشارة الأخرس مقام نطقه مسائل لا تقوم فيها إشارة الأخرس مقام النّطق ، منها:
( 1 ) إذا خاطب بالإشارة في الصّلاة لا تبطل صلاته في الأصحّ .
( 2 ) إذا نذر بالإشارة لا ينعقد نذره .
( 3 ) إذا شهد بالإشارة لا تقبل شهادته في الأصحّ ، لأنّ إقامتها مقام النّطق للضّرورة ، ولا ضرورة في شهادته لإمكان شهادة النّاطق .
( 4 ) إذا حلف لا يكلّم زيدًا فكلّمه بالإشارة لا يحنث .
( 5 ) إذا حلف بالإشارة لا تنعقد يمينه إلاّ في اللّعان .
إقرار الأخرس بما يوجب الحدّ:
6 -اختلف الفقهاء في صحّة إقرار الأخرس بالزّنى وغيره من الحدود . فذهب الشّافعيّة ، والقاضي من الحنابلة ، وابن القاسم من المالكيّة إلى أنّه يحدّ إن أقرّ بالزّنى بإشارته ، قالوا: لأنّ من صحّ إقراره بغير الزّنى صحّ إقراره به . وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يحدّ بإقراره بالزّنى ، لأنّ الإشارة تحتمل ما فهم منها وغيره ، فيكون ذلك شبهةً في درء الحدّ ، والحدود تدرأ بالشّبهات . وتفصيل ذلك في مصطلحي: ( حدودٌ ، وإقرارٌ ) .
إشارة الأخرس بالإقرار بما يوجب القصاص:
7 -إشارته في ذلك مقبولةٌ في قول الفقهاء في القصاص ، لأنّه من حقوق العباد .
تقسيم إشارة الأخرس: