التعريف:
1 -يطلق القنوت في اللّغة على معان عدة ، منها:
-الطاعة: ومن ذلك قوله تعالى: { لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ } .
-والصلاة: ومن ذلك قوله تعالى: { يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ } . وطول القيام: ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: « أفضل الصلاة طول القنوت » أي طول القيام .
وسئل ابن عمر رضي الله عنهما عن القنوت ، فقال: ما أعرف القنوت إلا طول القيام ، ثم قرأ قوله تعالى: { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا } .
-والسّكوت: حيث ورد عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: كنّا نتكلم في الصلاة ، يكلّم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت { وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ } فأمرنا بالسّكوت ونهينا عن الكلام .
-والدّعاء: وهو أشهرها ، قال الزجاج: المشهور في اللّغة أنّ القنوت الدّعاء ، وأنّ القانت الداعي ، وحكى النّوويّ أنّ القنوت يطلق على الدّعاء بخير وشرّ ، يقال: قنت له وقنت عليه .
وفي الاصطلاح: قال ابن علان: القنوت عند أهل الشرع اسم للدّعاء في الصلاة في محلّ مخصوص من القيام .
القنوت في الصلاة:
2 -القنوت منحصر في ثلاثة مواطن: صلاة الصّبح ، وصلاة الوتر ، وفي النّوازل ، وبيان ذلك فيما يأتي:
أ - القنوت في الصّبح:
3 -اختلف الفقهاء في حكم القنوت في صلاة الصّبح على أربعة أقوال:
الأول: للحنفية والحنابلة والثوريّ: وهو أنّ القنوت في الصّبح غير مشروع ، وهو مرويّ عن ابن عباس ، وابن عمر ، وابن مسعود ، وأبي الدرداء ، رضي الله عنهم ، وقال أبو حنيفة: القنوت في الفجر بدعة ، وقال الحنابلة: يكره .
واستدلّوا على ذلك: بما ورد أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم « قنت في صلاة الفجر شهرًا يدعو في قنوته على أحياء من أحياء العرب ، ثم تركه » ، قالوا: فكان منسوخًا ، إذ الترك دليل النسخ ، وبما روي عن أبي مالك سعد بن طارق الأشجعيّ قال: « قلت لأبي: يا أبت ، إنّك قد صليت خلف رسول الله ، وأبي بكر ، وعثمان ، وعليّ هاهنا بالكوفة نحوًا من خمس سنين ، أكانوا يقنتون ؟ قال: أي بني ، محدث » . وفي لفظ: « يا بني إنّها بدعة » . قال التّرمذيّ: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم .
والثاني: للمالكية على المشهور: وهو أنّ القنوت في الصّبح مستحبّ وفضيلة ، لأنّ النّبي صلى الله عليه وسلم « كان يقنت في صلاة الصّبح » فيما روى أبو هريرة وخفاف بن إيماء والبراء وأنس بن مالك . قال أنس: « ما زال رسول الله يقنت في الفجر حتى فارق الدّنيا » ، وقال عليّ بن زياد بوجوب القنوت في الصّبح ، فمن تركه فسدت صلاته .
ويجوز قبل الرّكوع وبعده في الركعة الثانية ، غير أنّ المندوب الأفضل كونه قبل الرّكوع عقب القراءة بلا تكبيرة قبله ، وذلك لما فيه من الرّفق بالمسبوق ، وعدم الفصل بينه وبين ركني الصلاة ولأنّه الذي استقر عليه عمل عمر رضي الله عنه بحضور الصحابة ، قال القاضي عبد الوهاب البغداديّ"وروي عن أبي رجا العطارديّ قال: كان القنوت بعد الرّكوع، فصيره عمر قبله ليدرك المدرك وروي أنّ المهاجرين والأنصار سألوه عثمان ، فجعله قبل الرّكوع ، لأنّ في ذلك فائدةً لا توجد فيما بعده ، وهي أنّ القيام يمتدّ فيلحق المفاوت ، ولأنّ في القنوت ضربًا من تطويل القيام ، وما قبل الرّكوع أولى بذلك ، لا سيما في الفجر ."
ويندب كونه بلفظ: اللهم إنّا نستعينك ، ونستغفرك ، ونؤمن بك ، ونتوكل عليك ، ونخضع لك ، ونخلع ونترك من يكفرك ، اللهم إياك نعبد ، ولك نصلّي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، نرجو رحمتك ، ونخاف عذابك ، إنّ عذابك الجدّ بالكفار ملحق .
ومن ترك القنوت عمدًا أو سهوًا فلا شيء عليه ، فإن سجد لتركه قبل السلام بطلت صلاته . وليس لدعاء القنوت حدّ محدود .
ولا يرفع يديه في دعاء القنوت ، كما لا يرفع في التأمين ، ولا في دعاء التشهّد .
والإسرار به هو المستحبّ في حقّ الإمام والمأموم والمنفرد ، لأنّه دعاء ، فينبغي الإسرار به حذرًا من الرّياء .
والمسبوق إذا أدرك الركعة الثانية لا يقنت في القضاء ، لأنّه إنّما يقضي الركعة الأولى ولم يكن فيها قنوت ، قال ابن رشد: إن أدرك قبل ركوع الثانية لم يقنت في قضائه ، سواء أدرك قنوت الإمام أم لا .
الثالث: للشافعية: وهو أنّ القنوت في صلاة الصّبح سنّة ، قال النّوويّ: اعلم أنّ القنوت مشروع عندنا في الصّبح ، وهو سنّةٌ متأكّدة ، وذلك لما روى أنس بن مالك رضي الله عنه: « ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدّنيا » .
قالوا: ولو تركه لم تبطل صلاته ، لكن يسجد للسهو ، سواء تركه عمدًا أو سهوًا .
أمّا محلّه ، فبعد الرفع من الرّكوع في الركعة الثانية من الصّبح ، فلو قنت قبل الرّكوع لم يحسب له على الأصحّ ، وعليه أن يعيده بعد الرّكوع ثم يسجد للسهو .
وأمّا لفظه ، فالاختيار أن يقول فيه ما روي عن الحسن بن عليّ رضي الله عنهما قال:
« علمني رسول الله كلمات أقولهنّ في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شر ما قضيت ، فإنّك تقضي ولا يقضى عليك ، وأنّه لا يذلّ من واليت ، تباركت ربنا وتعاليت » ، وزاد العلماء فيه:
"ولا يعزّ من عاديت"قبل:"تباركت ربنا وتعاليت"وبعده:"فلك الحمد على ما قضيت ، أستغفرك وأتوب إليك".
قال النّوويّ: قال أصحابنا: لا بأس بهذه الزّيادة ، وقال أبو حامد والبندنيجيّ وآخرون: مستحبة .