ويسنّ أن يقول عقب هذا الدّعاء: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد وسلّم .
وذلك في الوجه الصحيح المشهور .
قال النّوويّ: واعلم أنّ القنوت لا يتعين فيه دعاء على المذهب المختار ، فأي دعاء دعا به حصل القنوت ، ولو قنت بآية أو آيات من القرآن العزيز ، وهي مشتملة على الدّعاء حصل القنوت ، ولكنّ الأفضل ما جاءت به السّنّة .
ولو قنت بالمنقول عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان حسنًا ، فقد روي أنّه قنت في الصّبح بعد الرّكوع فقال: اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين والمسلمات ، وألّف بين قلوبهم ، وأصلح ذات بينهم ، وانصرهم على عدوّك وعدوّهم ، اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ، ويكذّبون رسلك ، ويقاتلون أولياءك ، اللهم خالف بين كلمتهم ، وزلزل أقدامهم ، وأنزل بهم بأسك الذي لا تردّه عن القوم المجرمين ، بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم إنّا نستعينك ونستغفرك ، ونثني عليك ولا نكفرك ، ونخلع ونترك من يفجرك ، بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم إياك نعبد ولك نصلّي ونسجد ، ولك نسعى ونحفد ، ونخشى عذابك الجد ، ونرجو رحمتك ، إنّ عذابك بالكافرين ملحق .
ثم إنّه يستحبّ الجمع بين قنوت عمر رضي الله عنه وما سبق ، فإن جمع بينهما ، فالأصحّ تأخير قنوت عمر ، وإن اقتصر فليقتصر على الأول ، وإنّما يستحبّ الجمع بينهما إذا كان منفردًا أو إمام جماعة محصورين يرضون بالتطويل .
ويستحبّ إذا كان المصلّي إمامًا ألا يخص نفسه بالدّعاء ، بل يعمّم ، فيأتي بلفظ الجمع"اللهم اهدنا ... إلخ"، لما روي عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يؤمّ امرؤ قومًا ، فيخص نفسه بدعوة دونهم ، فإن فعل فقد خانهم » .
أما رفع اليدين في القنوت ففيه وجهان مشهوران ، أصحّهما استحباب رفع اليدين فيه . وأما مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدّعاء - إن قلنا بالرفع - ففيه وجهان ، أصحّهما عدم استحباب المسح .
وأما الجهر بالقنوت أو الإسرار به في صلاة الصّبح ، فيفرق بين ما إذا كان المصلّي إمامًا ، أو منفردًا ، أو مأمومًا .
-فإن كان إمامًا: فيستحبّ له الجهر بالقنوت في الأصحّ .
-وإن كان منفردًا فيسرّ به بلا خلاف .
-وإن كان مأمومًا: فإن لم يجهر الإمام قنت سرًّا كسائر الدعوات ، وإن جهر الإمام بالقنوت، فإن كان المأموم يسمعه أمن على دعائه ، وشاركه في الثناء على آخره ، وإن كان لا يسمعه قنت سرًّا .
ب - القنوت في الوتر:
4 -اختلف الفقهاء في حكم القنوت في صلاة الوتر على أربعة أقوال:
الأول: لأبي حنيفة: وهو أنّ القنوت واجب في الوتر قبل الرّكوع في جميع السنة ، وقال الصاحبان أبو يوسف ومحمد: هو سنّة في كلّ السنة قبل الرّكوع .
فعند الحنفية إذا فرغ مصلّي الوتر من القراءة في الركعة الثالثة كبر رافعًا يديه ، ثم يقرأ دعاء القنوت ، واستدلّوا على ذلك بما روي أنّه صلى الله عليه وسلم « قنت في آخر الوتر قبل الرّكوع » .
وذكر الكرخيّ أنّ مقدار القيام في القنوت مقدار سورة { إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ } ، لما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم « أنّه كان يقرأ في القنوت: اللهم إنّا نستعينك … إلخ »
« اللهم اهدنا فيمن هديت ... إلخ » وكلاهما على مقدار هذه السّورة .
وليس في القنوت دعاء مؤقت ، كذا ذكر الكرخيّ في كتاب الصلاة ، لأنّه روي عن الصحابة أدعية في حال القنوت ، ولأنّ المؤقت من الدّعاء يجري على لسان الداعي من غير احتياجه إلى إحضار قلبه وصدق الرغبة منه إلى الله تعالى ، فيبعد عن الإجابة ، ولأنّه لا توقيت في القراءةِ لشيءٍ من الصلوات ، ففي دعاء القنوت أولى ، وقد روي عن محمد أنّه قال: التوقيت في الدّعاء يذهب رقة القلب ، وقال بعض مشايخنا: المراد من قوله: ليس في القنوت دعاء مؤقت ما سوى قوله: « اللهم إنّا نستعينك .. » لأنّ الصحابة اتفقوا على هذا في القنوت ، فالأولى أن يقرأه ، ولو قرأ غيره جاز ، ولو قرأ معه غيره كان حسنًا ، والأولى أن يقرأ بعده ما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن عليّ رضي الله عنهما في قنوته « اللهم اهدنا فيما هديت .. » ، إلى آخره .
ومن لا يحسن القنوت بالعربية أو لا يحفظه ، ففيه ثلاثة أقوال مختارة ، قيل: يقول:"يا ربّ"ثلاث مرات ، ثم يركع ، وقيل: يقول: اللهم اغفر لي ثلاث مرات ، وقيل: يقول: اللهم ربنا آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار ، قال ابن نجيم بعد أن ذكر الأقوال الثلاثة: والظاهر أنّ الاختلاف في الأفضلية لا في الجواز ، وأنّ الأخير أفضل لشموله ، وأنّ التقييد بمن لا يحسن العربية ليس بشرط ، بل يجوز لمن يعرف الدّعاء المعروف أن يقتصر على واحد مما ذكر لما علمت أنّ ظاهر الرّواية عدم توقيته .
وأما صفة دعاء القنوت من الجهر والمخافتة ، فقد ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاويّ أنّه إن كان منفردًا فهو بالخيار: إن شاء جهر وأسمع غيره ، وإن شاء جهر وأسمع نفسه ، وإن شاء أسر كما في القراءة .
وإن كان إمامًا يجهر بالقنوت ، لكن دون الجهر بالقراءة في الصلاة ، والقوم يتابعونه هكذا إلى قوله: إنّ عذابك بالكفار ملحق .
قال أبو يوسف: يسنّ أن يقرأ المقتدي أيضًا وهو المختار ، لأنّه دعاء كسائر الأدعية ، وقال محمد: لا يقرأ بل يؤمّن لأنّ له شبهة القرآن احتياطًا .
وقال في الذخيرة: استحسنوا الجهر في بلاد العجم للإمام ليتعلموا ، كما جهر عمر رضي الله عنه بالثناء حين قدم عليه وفد العراق ، ونص في الهداية على أنّ المختار المخافتة ، وفي المحيط على أنّه الأصحّ .