وفي البدائع: واختار مشايخنا بما وراء النّهر الإخفاء في دعاء القنوت في حقّ الإمام والقوم جميعًا ، لقوله تعالى: { ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } وقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: « خير الذّكر الخفيّ » .
أما الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم في القنوت . فقد قال أبو القاسم الصفار: لا يفعل ، لأنّ هذا ليس موضعها ، وقال الفقيه أبو الليث: يأتي بها ، لأنّ القنوت دعاء ، فالأفضل أن يكون فيه الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم ذكره في الفتاوى .
وأما حكم القنوت إذا فات عن محلّه ، فقالوا: إذا نسي القنوت حتى ركع ثم تذكر بعدما رفع رأسه من الرّكوع لا يعود ، ويسقط عنه القنوت ويسجد للسهو ، وإن تذكره في الرّكوع ، فكذلك في ظاهر الرّواية ، كما في البدائع ، وصححه في الفتاوى الخانية ، وروي عن أبي يوسف: أنّه يعود إلى القنوت ، لأنّ له شبهًا بالقراءة فيعود ، كما لو ترك الفاتحة أو السّورة فتذكرها في الرّكوع أو بعد رفع الرأس منه ، فإنّه يعود وينتقض ركوعه، كذا هاهنا. والثاني: للمالكية في المشهور وطاوس ، وهو رواية عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنّه لا يشرع القنوت في صلاة الوتر من السنة كلّها ، فعن طاوس أنّه قال: القنوت في الوتر بدعة ، وعن ابن عمر: أنّه لا يقنت في صلاة بحال ، ومشهور مذهب مالك كراهة القنوت في الوتر .
وفي رواية عن مالك أنّه يقنت في الوتر في النّصف الأخير من رمضان .
والثالث: للشافعية في الأصحّ: وهو أنّه يستحبّ القنوت في الوتر في النّصف الأخير من شهر رمضان خاصةً ، فإن أوتر بركعة قنت فيها ، وإن أوتر بأكثر قنت في الأخيرة .
وفي وجه للشافعية: أنّه يقنت في جميع رمضان .
وحكى الرّويانيّ وجهًا أنّه يجوز القنوت في جميع السنة بلا كراهة ، ولا يسجد للسهو لتركه في غير النّصف الأخير من رمضان ، قال: وهذا حسن وهو اختيار مشايخ طبرستان .
قال الرافعيّ: وظاهر كلام الشافعيّ كراهة القنوت في غير النّصف الأخير من رمضان .
أما محلّ القنوت في الوتر ، فهو بعد رفع الرأس من الرّكوع في الصحيح المشهور .
أما لفظ القنوت في الوتر فكالصّبح .
واستحب الشافعية أن يضم إلى ما ذكرنا من دعاء القنوت قنوت عمر رضي الله عنه .
أما الجهر بالقنوت في الوتر ورفع اليدين ومسح الوجه فحكمها ما سبق في قنوت الصّبح نفسه .
والرابع: للحنابلة: وهو أنّه يسنّ القنوت جميع السنة في الركعة الواحدة الأخيرة من الوتر بعد الرّكوع ، لما روى أبو هريرة وأنس « أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الرّكوع » ، قال ابن قدامة في تعليل مشروعيته كل السنة: لأنّه وتر ، فيشرع فيه القنوت ، كالنّصف الأخير من رمضان ، ولأنّه ذكر شرع في الوتر ، فشرع في جميع السنة كسائر الأذكار .
ولو كبَّر ورفع يديه بعد القراءة ، ثم قنت قبل الرّكوع جاز ، لما روى أبيّ بن كعب « أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت في الوتر قبل الرّكوع » .
وهيئة القنوت أن يرفع يديه إلى صدره حال قنوته ويبسطهما وبطونهما نحو السماء ولو كان مأمومًا ، ويقول جهرًا - سواء أكان إمامًا أو منفردًا -:"اللهم إنّا نستعينك ، ونستهديك ، ونستغفرك ، ونتوب إليك ، ونؤمن بك ، ونتوكل عليك ، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك ، اللهم إياك نعبد ، ولك نصلّي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، نرجو رحمتك ، ونخشى عذابك ، إنّ عذابك الجد بالكفار ملحق ، اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا شر ما قضيت ، إنّك تقضي ولا يقضى عليك ، وإنّه لا يذلّ من واليت ، ولا يعزّ من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت، اللهم إنّا نعوذ برضاك من سخطك ، وبعفوك من عقوبتك ، وبك منك ، لا نحصى ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك".
وله أن يزيد ما شاء مما يجوز به الدّعاء في الصلاة ، قال المجد ابن تيمية: فقد صحَّ عن عمر رضي الله عنه أنّه كان يقنت بقدر مائة آية ، ثم يصلّي على النبيّ صلى الله عليه وسلم ويفرد المنفرد الضمير ، فيقول اللهم اهدني . اللهم إنّي أستعيذك ... إلخ ، وهو الصحيح في المذهب . وعليه نص أحمد ، وعند ابن تيمية ، يجمعه ، لأنّه يدعو لنفسه وللمؤمنين . والمأموم إذا سمع قنوت إمامه أمن عليه بلا قنوت ، وإن لم يسمعه دعا ، وهل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ ؟ على روايتين:
أشهرهما: أنّه يمسح بهما وجهه ، نقله أحمد ، واختاره الأكثر ، لما روى السائب بن يزيد عن أبيه « أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا فرفع يديه ، مسح وجهه بيديه » ، وكخارج الصلاة .
والثانية: لا ، نقلها الجماعة ، واختارها الآجرّيّ لضعف الخبر ، وعنه: يكره ، صححها في الوسيلة ، وعنه: يمرّهما على صدره ، وبعد ذلك يرفع يديه إذا أراد السّجود ، لأنّ القنوت مقصود في القيام ، فهو كالقراءة .
ج - القنوت عند النازلة:
5 -اختلف الفقهاء في حكم القنوت عند النّوازل على أربعة أقوال:
الأول للحنفية: وهو أنّه لا يقنت في غير الوتر إلا لنازلةٍ: كفتنة وبليّةٍ ، فيقنت الإمام في الصلاة الجهرية ، قال الطحاويّ: إنّما لا يقنت عندنا في صلاة الفجر من دون وقوع بلية ، فإن وقعت فتنة أو بلية فلا بأس به ، فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم .