وهل القنوت للنازلة قبل الرّكوع أو بعده ؟ احتمالان ، استظهر الحمويّ في حواشي الأشباه والنّظائر كونه قبله ، ورجح ابن عابدين ما استظهره الشرنبلالي في مراقي الفلاح أنّه بعده. والثاني للمالكية في المشهور والشافعية في غير الأصحّ: وهو أنّه لا يقنت في غير الصّبح مطلقًا ، قال الزرقانيّ: لا بوتر ولا في سائر الصلوات عند الضرورة خلافًا لزاعميه ، لكن لو قنت في غيرها لم تبطل ، والظاهر أنّ حكمه في غير الصّبح الكراهة ، ودليلهم على ذلك ما في الصحيحين عن أنس وأبي هريرة رضي الله عنهما « أنّه صلى الله عليه وسلم قنت شهرًا ثم تركه » .
والثالث للشافعية في الصحيح المشهور وبعض المالكية: وهو أنّه إذا نزلت بالمسلمين نازلة، كوباء ، وقحط ، أو مطر يضرّ بالعمران أو الزرع ، أو خوف عدوّ ، أو أسر عالم قنتوا في جميع الصلوات المكتوبة ، قال النّوويّ: مقتضى كلام الأكثرين أنّ الكلام والخلاف في غير الصّبح إنّما هو في الجواز ، ومنهم من يشعر إيراده بالاستحباب ، قلت: الأصحّ استحبابه ، وصرح به صاحب العدة ، ونقله عن نص الشافعيّ في الإملاء ، فإن لم تكن نازلة فلا قنوت إلا في صلاة الفجر ، قال ابن علان: وإن لم تنزل فلا يقنتوا ، أي يكره ذلك لعدم ورود الدليل لغير النازلة ، وفارقت الصّبح غيرها بشرفها مع اختصاصها بالتأذين قبل الوقت ، وبالتثويب ، وبكونها أقصرهن ، فكانت بالزّيادة أليق ، وليعود على يومه بالبركة ، لما فيه - أي القنوت - من الذّلة والخضوع .
واستدلّوا على ذلك بحديث ابن عباس رضي الله عنهما: « قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا متتابعًا في الظّهر والعصر والمغرب والعشاء والصّبح ، يدعو على رِعْلٍ وذكوان وعصيّة في دبر كلّ صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة ، ويؤمَّن من خلفه » قال ابن علان: إنّه صلى الله عليه وسلم قنت شهرًا يدعو على قاتلي أصحابه القراء ببئر معونة ، لدفع تمرّد القاتلين ، لا لتدارك المقتولين لتعذّره . وقيس غير خوف العدوّ عليه .
وإذا قنت في غير الصّبح من الفرائض لنازلة ، فهل يجهر بالقنوت أم يسرّ به ؟ قال النّوويّ: الراجح أنّها كلّها كالصّبح ، سرّيةً كانت أم جهريةً ، ومقتضى إيراده في الوسيط أنّه يسرّ في السرية ، وفي الجهرية الخلاف .
والرابع للحنابلة على الراجح عندهم: وهو أنّه يكره القنوت في غير وتر إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة - غير الطاعون - لأنّه لم يثبت القنوت في طاعون عمواس ولا في غيره، ولأنّه شهادة للأخيار ، فلا يسأل رفعه ، فيسنّ للإمام الأعظم - وهو الصحيح في المذهب - القنوت فيما عدا الجمعة من الصلوات المكتوبات - وهو المعتمد في المذهب - لرفع تلك النازلة ، ذلك لما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم « أنّه قنت شهرًا يدعو على حيّ من أحياء العرب ، ثم تركه » ، وما روي عن عليّ رضي الله عنه أنّه قنت ثم قال: إنّما استنصرنا على عدونا هذا .
ويقول الإمام في قنوته نحوا مما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنّه كان يقول في القنوت:"اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين والمسلمات ، وألّف بين قلوبهم ، وأصلح ذات بينهم ، وانصرهم على عدوّك وعدوّهم ، اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يكذّبون رسلك ، ويقاتلون أولياءك ، اللهم خالف بين كلمتهم ، وزلزل أقدامهم ، وأنزل بهم بأسك الذي لا يردّ عن القوم المجرمين ، بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم إنّا نستعينك ... إلخ ."
ويجهر بالقنوت للنازلة في صلاة جهرية ، قال ابن مفلح وظاهر كلامهم مطلقًا ، ولو قنت في النازلة كلّ إمام جماعة أو كلّ مصلّ ، لم تبطل صلاته . لأنّ القنوت من جنس الصلاة ، كما لو قال: آمين يا رب العالمين .