التّعريف:
1 -التّقليد لغة: مصدر قلّد ، أي جعل الشّيء في عنق غيره مع الإحاطة به .
وتقول: قلّدت الجارية: إذا جعلت في عنقها القلادة ، فتقلّدتها هي ، وقلّدت الرّجل السّيف فتقلّده: إذا جعل حمائله في عنقه . وأصل القلد ، كما في لسان العرب ، ليّ الشّيء على الشّيء ، نحو ليّ الحديدة الدّقيقة على مثلها ، ومنه: سوار مقلود .
وفي التّهذيب: تقليد البدنة أن يجعل في عنقها عروة مزادة ،أو حلق نعل ، فيعلم أنّها هدي. وقلّد فلانًا الأمر إيّاه . ومنه تقليد الولاة الأعمال .
ويستعمل التّقليد في العصور المتأخّرة بمعنى المحاكاة في الفعل ، وبمعنى التّزييف ، أي صناعة شيء طبقا للأصل المقلّد . وكلا المعنيين مأخوذ من التّقليد للمجتهدين ، لأنّ المقلّد يفعل مثل فعل المقلّد دون أن يدري وجهه . والأمر التّقليديّ ما يفعل اتّباعا لما كان قبل ، لا بناء على فكر الفاعل نفسه ، وخلافه الأمر المبتدع .
ويرد التّقليد في الاصطلاح الشّرعيّ بأربعة معان:
أوّلها: تقليد الوالي أو القاضي ونحوهما ، أي توليتهما العمل ، وينظر في مصطلح:
( تولية ) .
ثانيها: تقليد الهدي بجعل شيء في رقبته ليعلم أنّه هدي .
ثالثها: تقليد التّمائم ونحوها .
رابعها: التّقليد في الدّين وهو الأخذ فيه بقول الغير مع عدم معرفة دليله . أو هو العمل بقول الغير من غير حجّة .
الألفاظ ذات الصّلة:
الإشعار:
2 -الإشعار حزّ سنام البدنة حتّى يسيل منها الدّم ليعلم أنّها هدي للكعبة فلا يتعرّض لها أحد .
أحكام التّقليد:
أوّلًا - تقليد الهدي:
3 -الهدي ما يهدى إلى الكعبة من بهيمة الأنعام في الحجّ ليذبح بمكّة تقرّبًا إلى اللّه تعالى. وتقليد البهيمة أن يجعل في عنقها ما يدلّ على أنّها هديّة إلى البيت ، فيترك التّعرّض لها من كلّ أحد تعظيما للبيت وما أهدي إليه .
وأصل ذلك في القرآن العظيم ، قال اللّه تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الحَرَامَ وَلا الهَديَ وَلا القَلائِدَ } قال القرطبيّ: فالشّعائر: جمع شعيرة وهي البدنة تهدى إلى البيت ، وإشعارها أن يحزّ سنامها ليسيل منها الدّم فيعلم أنّها هدي .
والقلائد قيل في تفسيرها: ما كان النّاس يتقلّدونه أمنة لهم . قال ابن عبّاس: ثمّ نسخ ذلك. وقيل المراد بالقلائد: ما يعلّق على أسنمة الهدايا وأعناقها علامة على أنّه للّه تعالى ، من نعل أو غيره . وقال اللّه تعالى: { جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البيتَ الحَرَامَ قِيَامًَا لِلنَّاسِ وَالشَّهرَ الحَرَامَ وَالهَديَ وَالقَلائِدَ ذلكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا في السَّمَواتِ وما في الأرضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَليمٌ } أي جعل المذكورات صلاحا ومعاشا يأمن النّاس فيها وبها . وقال القرطبيّ: عظّم اللّه سبحانه في قلوبهم البيت الحرام ، وأوقع في نفوسهم هيبته ، وعظّم بينهم حرمته ، فكان من لجأ إليه معصوما به ، وكان من اضطهد محميّا بالكون فيه . وكذلك الأشهر الحرم . ثمّ قال: وشرع على ألسنة الرّسل الكرام الهدي والقلائد ، فكانوا إذا أخذوا بعيرا أشعروه دما أو علّقوا عليه نعلا ، أو فعل الرّجل ذلك بنفسه من التّقليد ، لم يروّعه أحد حيث لقيه ، وكان الفيصل بينه وبين من طلبه وظلمه ، حتّى جاء اللّه بالإسلام .
ويذكر من حكمة تقليد الهدي أيضًا أن يعلم المساكين بالهدي ، فيجتمعوا له ، وإذا عطبت الهديّة الّتي سيقت إلى البيت تنحر ، ثمّ « تلقى قلادتها في دمها » كما ورد في الحديث ، ليكون ذلك دالا على كونها هديًا يباح أكله لمن شاء .
حكم تقليد الهدي:
4 -تقليد الهدي كان متّبعًا في الجاهليّة . قال القرطبيّ: وهي سنّة إبراهيميّة بقيت في الجاهليّة وأقرّها الإسلام . وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « إنّي لبّدت رأسي ، وقلّدت هديي ، فلا أحلّ حتّى أنحر » فتقليد الهدي سنّة في الجملة . وهذا متّفق عليه .
وقد قال الشّافعيّ: من ترك الإشعار والتّقليد فلا شيء عليه .
قال المالكيّة: والأولى تقديم التّقليد على الإشعار لأنّه السّنّة ، والحكمة فيه أنّه يفعل كذلك خوفًا من نفارها لو أشعرت أولًا .
وعند الشّافعيّة في ذلك وجهان ، ومنصوص الشّافعيّ في الأمّ تقديم الإشعار .
ما يقلّد من الهدي وما لا يقلّد:
5 -لا خلاف في أنّ من السّنّة تقليد الهدي إن كان من الإبل أو البقر .
أمّا الغنم فقد اختلف في تقليدها ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّها لا تقلّد ، وليس تقليدها سنّة ، قال الحنفيّة: لأنّه غير معتاد ، ولأنّه لا فائدة في تقليدها ، إذ فائدة التّقليد عدم ضياع الهدي ، والغنم لا تترك بل يكون معها صاحبها .
قال القرطبيّ وكأنّهم لم يبلغهم حديث عائشة رضي الله عنها في تقليد الغنم ، ونصّه ، قالت: « أهدى النّبيّ صلى الله عليه وسلم مرّة إلى البيت غنمًا فقلّدها » أو بلغهم ولكنّهم ردّوه لانفراد الأسود به عن عائشة .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يسنّ تقليدها أيضا ، للحديث السّابق ، ولأنّها هدي فتقلّد ، كالإبل . وينصّ الحنفيّة على أنّه ليست كلّ أنواع الهدي تقلّد ، بل يقلّد هدي التّطوّع وهدي التّمتّع والقران ، لأنّه دم نسك ، وفي التّقليد إظهاره وتشهيره فيليق به .
ولم نجد هذا التّفصيل لغير الحنفيّة .
ولا يقلّد دم الجناية ، لأنّ سترها أليق ، ويلحق بها دم الإحصار ، لأنّها دم يجبر به النّقص .
ما يقلّد به ، وكيفيّة التّقليد: