التّعريف:
1 -التّخنّث في اللّغة بمعنى: التّثنّي والتّكسّر ، وتَخَنَّث الرّجل إذا فعل فعل المُخَنَّث .
وخنّث الرّجل كلامه: إذا شبّهه بكلام النّساء لينًا ورخامةً .
والتّخنّث اصطلاحًا كما يؤخذ من تعريف ابن عابدين للمخنّث: هو التّزيّي بزيّ النّساء والتّشبّه بهنّ في تليين الكلام عن اختيار ، أو الفعل المنكر . وقال صاحب الدّرّ: المخنّث بالفتح من يفعل الرّديء . وأمّا بالكسر فالمتكسّر المتليّن في أعضائه وكلامه وخلقه . ويفهم من القليوبيّ أنّه لا فرق بين الفتح والكسر في المعنى ، فهو عنده المتشبّه بحركات النّساء .
الحكم الإجماليّ:
2 -يحرم على الرّجال التّخنّث والتّشبّه بالنّساء في اللّباس والزّينة الّتي تختصّ بالنّساء ، وكذلك في الكلام والمشي ، لما روي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه قال: « لعن النّبيّ صلى الله عليه وسلم المخنّثين من الرّجال والمترجِّلات من النّساء » وفي رواية أخرى:
« لعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المتشبّهين من الرّجال بالنّساء ، والمتشبّهات من النّساء بالرّجال » قال ابن حجر في الفتح: والنّهي مختصّ بمن تعمّد ذلك ، وأمّا من كان أصل خلقته ، فإنّما يؤمر بتكلّف تركه والإدمان على ذلك بالتّدريج ، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذّمّ ، ولا سيّما إذا بدا منه ما يدلّ على الرّضا به ، وأمّا إطلاق من قال: إنّ المخنّث خلقةً لا يتّجه عليه الذّمّ ، فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك التّثنّي والتّكسّر في المشي والكلام بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك .
إمامة المخنّث:
3 -المخنّث بالخلقة ، وهو من يكون في كلامه لين وفي أعضائه تكسّر خلقةً ، ولم يشتهر بشيء من الأفعال الرّديئة لا يعتبر فاسقًا ، ولا يدخله الذّمّ واللّعنة الواردة في الأحاديث ، فتصحّ إمامته ، لكنّه يؤمر بتكلّف تركه والإدمان على ذلك بالتّدريج ، فإذا لم يقدر على تركه فليس عليه لوم . أمّا المتخلّق بخلق النّساء حركةً وهيئةً ، والّذي يتشبّه بهنّ في تليين الكلام وتكسّر الأعضاء عمدًا ، فإنّ ذلك عادة قبيحة ومعصية ويعتبر فاعلها آثمًا وفاسقًا .
والفاسق تكره إمامته عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو رواية عند المالكيّة .
وقال الحنابلة ، والمالكيّة في رواية أخرى ، ببطلان إمامة الفاسق ، كما هو مبيّن في مصطلح: ( إمامة ) . ونقل البخاريّ عن الزّهريّ قوله: لا نرى أن يصلّى خلف المخنّث إلاّ من ضرورة لا بدّ منها .
شهادة المخنّث:
4 -صرّح الحنفيّة أنّ المخنّث الّذي لا تقبل شهادته هو الّذي في كلامه لين وتكسّر ، إذا كان يتعمّد ذلك تشبّهًا بالنّساء . وأمّا إذا كان في كلامه لين ، وفي أعضائه تكسّر خلقةً ، ولم يشتهر بشيء من الأفعال الرّديئة ، فهو عدل مقبول الشّهادة .
واعتبر الشّافعيّة والحنابلة التّشبّه بالنّساء محرّمًا تردّ به الشّهادة ، ولا يخفى أنّ المراد بالتّشبّه التّعمّد ، لا المشابهة الّتي تأتي طبعًا .
واعتبر المالكيّة المجون ممّا تردّ به الشّهادة ، ومن المجون التّخنّث .
وعليه تكون المذاهب متّفقةً في التّفصيل الّذي أورده الحنفيّة ، وتفصيله في ( شهادة ) .
نظر المخنّث للنّساء:
5 -المخنّث بالمعنى المتقدّم ، والّذي له أرب في النّساء ، لا خلاف في حرمة اطّلاعه على النّساء ونظره إليهنّ ، لأنّه فحل فاسق - كما قال ابن عابدين .
أمّا إذا كان مخنّثًا بالخلقة ، ولا إرب له في النّساء ، فقد صرّح المالكيّة والحنابلة وبعض الحنفيّة بأنّه يرخّص بترك مثله مع النّساء ، ولا بأس بنظره إليهنّ ، استدلالًا بقوله تعالى فيمن يحلّ لهم النّظر إلى النّساء ، ويحلّ للنّساء الظّهور أمامهم متزيّنات ، حيث عدّ منهم أمثال هؤلاء ، وهو { أو التَّابِعينَ غَيْرِ أُولي الإِرْبَةِ من الرِّجَالِ ...} .
وذهب الشّافعيّة وأكثر الحنفيّة إلى أنّ المخنّث - ولو كان لا إرب له في النّساء - لا يجوز نظره إلى النّساء ، وحكمه في هذا كالفحل: استدلالًا بحديث « لا يَدخلنَّ هؤلاءِ عليكنَّ » .
عقوبة المخنّث:
6 -المخنّث بالاختيار من غير ارتكاب الفعل القبيح معصية لا حدّ فيها ولا كفّارةً ، فعقوبته عقوبة تعزيريّة تناسب حالة المجرم وشدّة الجرم . وقد ورد « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عزّر المخنّثين بالنّفي ، فأمر بإخراجهم من المدينة ، وقال: أخرجوهم من بيوتكم » وكذلك فعل الصّحابة من بعده . أمّا إن صدر منه مع تخنّثه تمكين الغير من فعل الفاحشة به ، فقد اختلف في عقوبته ، فذهب كثير من الفقهاء إلى أنّه تطبّق عليه عقوبة الزّنى .
وذهب أبو حنيفة إلى أنّ عقوبته تعزيريّة قد تصل إلى القتل أو الإحراق أو الرّمي من شاهق جبل مع التّنكيس ، لأنّ المنقول عن الصّحابة اختلافهم في هذه العقوبة ، ويراجع في هذا مصطلح: ( حدّ عقوبة ، تعزير ، ولواط ) .
مواطن البحث:
7 -يذكر الفقهاء أحكام التّخنّث في مباحث خيار العيب إذا كان العبد المبيع مخنّثًا ، ويذكرونها في بحث الشّهادة ، والنّكاح ، والنّظر إلى المرأة الأجنبيّة ، وفي مسائل اللّباس والزّينة وأبواب الحظر والإباحة ونحوها .