التّعريف:
1 -السّفر لغةً: قطع المسافة ، وخلاف الحضر"أي الإقامة"، والجمع: أسفار ، ورجل سفر ، وقوم سفر: ذوو سفر .
والفقهاء يقصدون بالسّفر: السّفر الّذي تتغيّر به الأحكام الشّرعيّة وهو: أن يخرج الإنسان من وطنه قاصدًا مكانًا يستغرق المسير إليه مسافةً مقدّرةً عندهم ، على اختلاف بينهم في هذا التّقدير كما سيأتي بيانها .
والمراد بالقصد: الإرادة المقارنة لما عزم عليه ، فلو طاف الإنسان جميع العالم بلا قصد الوصول إلى مكان معيّن فلا يصير مسافرًا .
ولو أنّه قصد السّفر ، ولم يقترن قصده بالخروج فعلًا فلا يصير مسافرًا كذلك ؛ لأنّ المعتبر في حقّ تغيير الأحكام الشّرعيّة هو السّفر الّذي اجتمع فيه القصد والفعل .
خصائص السّفر:
2 -يختصّ السّفر بأحكام تتعلّق به ، وتتغيّر بوجوده ، ومن أهمّها: قصر الصّلاة الرّباعيّة، وإباحة الفطر للصّائم ، وامتداد مدّة المسح على الخفّين إلى ثلاثة أيّام ، والجمع بين الظّهر والعصر ، والجمع بين المغرب والعشاء ، وحرمة السّفر على الحرّة بغير محرم ، وولاية الأبعد .
ويقتصر هذا البحث على ما يتّصل بالسّفر من حيث قصر الصّلاة .
أمّا ما يختصّ بغيرها من أحكام شرعيّة ففيها تفصيل كثير ينظر في مصطلح ( سفر ، صوم ، المسح على الخفّين ، أوقات الصّلاة ، نكاح ، وولاية ) .
تقسيم الوطن:
ينقسم الوطن إلى: وطن أصليّ ، ووطن إقامة ، ووطن سكنى .
الوطن الأصليّ:
3 -هو المكان الّذي يستقرّ فيه الإنسان بأهله ، سواء أكان موطن ولادته أم بلدةً أخرى ، اتّخذها دارًا وتوطّن بها مع أهله وولده ، ولا يقصد الارتحال عنها ، بل التّعيّش بها .
ويأخذ حكم الوطن: المكان الّذي تأهّل به ، أي تزوّج به ، ولا يحتاج الوطن الأصليّ إلى نيّة الإقامة . لكن المالكيّة يشترطون: أن تكون الزّوجة مدخولًا بها غير ناشز .
وممّا تقدّم يتبيّن: أنّ الوطن الأصليّ يتحقّق عند أغلب الفقهاء بالإقامة الدّائمة على نيّة التّأبيد ، سواء أكان في مكان ولادته أم في مكان آخر ، ويلحق بذلك مكان الزّوجة .
4 -والوطن الأصليّ يجوز أن يكون واحدًا أو أكثر ، وذلك مثل أن يكون له أهل ودار في بلدتين أو أكثر ، ولم يكن من نيّة أهله الخروج منها ، وإن كان ينتقل من أهل إلى أهل في السّنة ، حتّى إنّه لو خرج مسافرًا من بلدة فيها أهله ، ودخل بلدةً أخرى فيها أهله ، فإنّه يصير مقيمًا من غير نيّة الإقامة .
ما ينتقض به الوطن الأصليّ:
5 -الوطن الأصليّ ينتقض بمثله لا غير ، وهو أن يتوطّن الإنسان في بلدة أخرى وينقل الأهل إليها من بلدته مضربًا عن الوطن الأوّل ، ورافضًا سكناه ، فإنّ الوطن الأوّل يخرج بذلك عن أن يكون وطنًا أصليًّا له ، حتّى لو دخل فيه مسافرًا لا تصير صلاته أربعًا .
والأصل فيه: أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والمهاجرين من أصحابه - رضي الله عنهم - كانوا من أهل مكّة ، وكان لهم بها أوطان أصليّة ، ثمّ لمّا هاجروا وتوطّنوا بالمدينة، وجعلوها دارًا لأنفسهم انتقض وطنهم الأصليّ بمكّة ، حتّى كانوا إذا أتوا مكّة يصلّون صلاة المسافرين . ولذلك « قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم حين صلّى بهم: أتمّوا يا أهل مكّة صلاتكم فإنّا قوم سفر » .
ولا ينتقض الوطن الأصليّ بوطن الإقامة ، ولا بوطن السّكنى ؛ لأنّهما دونه ، والشّيء لا ينسخ بما هو دونه ، وكذا لا ينتقض بنيّة السّفر والخروج من وطنه حتّى يصير مقيمًا بالعودة من غير نيّة الإقامة .
وطن الإقامة:
6 -هو المكان الّذي يقصد الإنسان أن يقيم به مدّةً قاطعةً لحكم السّفر فأكثر على نيّة أن يسافر بعد ذلك ، مع اختلاف بين المذاهب في مقدار هذه المدّة كما سيأتي بيانها .
أمّا شرائطه: فقد ذكر الكرخيّ في جامعه عن محمّد روايتين:
الرّواية الأولى: إنّما يصير الوطن وطن إقامة بشريطتين:
إحداهما: أن يتقدّمه سفر .
والثّانية: أن يكون بين وطنه الأصليّ وبين هذا الموضع"الّذي توطّن فيه بنيّة إقامة هذه المدّة"مسافة القصر .
وبدون هذين الشّرطين لا يصير وطن إقامة ، وإن نوى الإقامة مدّةً قاطعةً للسّفر في مكان صالح للإقامة ، حتّى إنّ الرّجل المقيم لو خرج من مصره إلى قرية لا لقصد السّفر ، ونوى أن يتوطّن بها المدّة القاطعة للسّفر فلا تصير تلك القرية وطن إقامة له وإن كان بينهما مسافة القصر ؛ لانعدام تقدّم السّفر . وكذا إذا قصد مسيرة سفر ، وخرج حتّى وصل إلى قرية بينها وبين وطنه الأصليّ أقلّ من مسافة القصر ، ونوى أن يقيم بها المدّة القاطعة للسّفر لا تصير تلك القرية وطن إقامة له .
والرّواية الثّانية - وهي رواية ابن سماعة عن محمّد بن الحسن - أنّه يصير مقيمًا من غير هاتين الشّريطتين كما هو ظاهر الرّواية .
والمالكيّة يشترطون مسافة القصر إن كانت نيّة الإقامة في ابتداء السّير ، فإن كانت في أثنائه فلا تشترط المسافة على المعتمد .
ما ينتقض به وطن الإقامة:
7 -وطن الإقامة ينتقض بالوطن الأصليّ ؛ لأنّه فوقه ، وبوطن الإقامة ؛ لأنّه مثله والشّيء يجوز أن ينسخ بمثله ، وينتقض بالسّفر - أيضًا - لأنّ توطّنه في هذا المقام ليس للقرار ، ولكن لحاجة ، فإذا سافر منه يستدلّ به على قضاء حاجته ، فصار معرضًا عن التّوطّن به ، فصار ناقضًا له ، ولا ينتقض وطن الإقامة بوطن السّكنى ؛ لأنّه دونه فلا ينسخه .
وطن السّكنى:
8 -هو المكان الّذي يقصد الإنسان المقام به أقلّ من المدّة القاطعة للسّفر .