التّعريف:
1 -التّحوّل في اللّغة مصدر تحوّل ، ومعناه: التّنقّل من موضع إلى آخر ، ومن معانيه أيضًا: الزّوال ، كما يقال: تحوّل عن الشّيء أي: زال عنه إلى غيره .
وكذلك: التّغيّر والتّبدّل . والتّحويل مصدر حوّل ، وهو: النّقل ، فالتّحوّل مطاوع وأثر للتّحويل . ويقصد الفقهاء بالتّحوّل ما يقصد به في اللّغة .
الألفاظ ذات الصّلة:
الاستحالة:
2 -من معاني الاستحالة لغةً: تغيّر الشّيء عن طبعه ووصفه ، أو عدم الإمكان . فالاستحالة قد تكون بمعنى التّحوّل ، كاستحالة الأعيان النّجسة من العذرة والخمر والخنزير وتحوّلها عن أعيانها وتغيّر أوصافها ، وذلك بالاحتراق ، أو بالتّخليل ، أو بالوقوع في شيء ، كما سيأتي تفصيله .
أحكام التّحوّل:
للتّحوّل أحكام تعتريه ، وهي تختلف باختلاف مواطنها ، أهمّها ما يلي:
أ - تحوّل العين وأثره في الطّهارة والحلّ:
3 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وهو رواية عن أحمد إلى: أنّ نجس العين يطهر بالاستحالة ، فرماد النّجس لا يكون نجسًا ، ولا يعتبر نجسًا ملح كان حمارًا أو خنزيرًا أو غيرهما ، ولا نجس وقع في بئر فصار طينًا ، وكذلك الخمر إذا صارت خلًّا سواء بنفسها أو بفعل إنسان أو غيره ، لانقلاب العين ، ولأنّ الشّرع رتّب وصف النّجاسة على تلك الحقيقة ، فينتفي بانتقائها . فإذا صار العظم واللّحم ملحًا أخذا حكم الملح ، لأنّ الملح غير العظم واللّحم .
ونظائر ذلك في الشّرع كثيرة منها: العلقة فإنّها نجسة ، فإذا تحوّلت إلى المضغة تطهر ، والعصير طاهر فإذا تحوّل خمرًا ينجس .
فيتبيّن من هذا: أنّ استحالة العين تستتبع زوال الوصف المرتّب عليها .
والأصل عند الشّافعيّة ، والحنابلة في ظاهر المذهب: أنّ نجس العين لا يطهر بالاستحالة ، فالكلب أو غيره يلقى في الملّاحة فيصير ملحًا ، والدّخان المتصاعد من وقود النّجاسة ، وكذلك البخار المتصاعد منها إذا اجتمعت منه نداوة على جسم صقيل ، ثمّ قطّر ، نجس .
4 -ثمّ استثنوا من ذلك الخمر إذا انقلبت بنفسها خلًّا فتطهر بالتّخلّل ، لأنّ علّة النّجاسة الإسكار وقد زالت ، ولأنّ العصير لا يتخلّل إلاّ بعد التّخمّر غالبًا ، فلو لم يحكم بالطّهارة تعذّر الحصول على الخلّ ، وهو حلال بالإجماع .
وأمّا إن خلّلت بطرح شيء فيها بفعل إنسان فلا تطهر عندهم .
وصرّح الشّافعيّة بأنّها لو تخلّلت بإلقاء الرّيح فلا تطهر عندهم أيضًا ، سواء أكان له دخل في التّخليل كبصل وخبز حارّ ، أم لا كحصاة . وكذلك لا فرق بين أن تكون العين الملقاة طاهرةً أو نجسةً . وفي الموضوع تفصيل أكثر يرجع فيه إلى مصطلح: ( تخليل واستحالة ) .
ب - تطهير الجلد بالدّباغ:
5 -لا خلاف بين الفقهاء في نجاسة جلد الميتة قبل الدّباغ ، وإنّما اختلفوا في طهارته بعده على اتّجاهات كثيرة . وفي الموضوع فروع كثيرة وخلاف بين المذاهب ، فصّله الفقهاء عند الكلام عن النّجاسة وكيفيّة تطهيرها ، ويراجع فيه أيضًا مصطلح: ( دباغة ) .
ج - تحوّل الوصف أو الحالة:
تحوّل الماء الرّاكد إلى الماء الجاري:
6 -المختار عند الحنفيّة أنّ الماء النّجس الرّاكد إذا تحوّل إلى جار يطهر بمجرّد جريانه ، والجاري ما يعدّه النّاس جاريًا بأن يدخل الماء من جانب ويخرج من جانب آخر حال دخوله ، وإن قلّ الخارج ، لأنّه صار جاريًا حقيقةً ، وبخروج بعضه وقع الشّكّ في بقاء النّجاسة ، فلا تبقى مع الشّكّ . وفيه قولان ضعيفان عند الحنفيّة .
الأوّل: لا يطهر بمجرّد التّحوّل ، بل لا بدّ من خروج قدر ما فيه .
والثّاني: لا بدّ من خروج ثلاثة أمثاله .
ويظهر الفرق بين القول المختار والقولين الآخرين في: أنّ الخارج من الحوض يكون طاهرًا بمجرّد خروجه ، بناءً على القول المختار . ولا يكون طاهرًا قبل الحكم بطهارة الماء الرّاكد على القولين الآخرين . وعلى هذا الخلاف: البئر وحوض الحمّام والأواني .
وأمّا المالكيّة فعندهم يتحوّل الماء الكثير النّجس طهورًا بزوال التّغيّر ، سواء أكان بصبّ ماء مطلق عليه ، قليل أو كثير ، أو ماء مضاف مقيّد انتفت نجاسته ، أم بإلقاء شيء فيه كتراب أو طين ، ولم يظهر فيه أحد أوصاف ما ألقي فيه .
لأنّ تنجّسه إنّما كان لأجل التّغيّر وقد زال ، والحكم يدور مع علّته وجودًا وعدمًا ، كالخمر إذا صارت خلًّا ، وفي تغيّره بنفسه ، أو بنزح بعضه قولان .
ومذهب الشّافعيّة: أنّ الماء إذا بلغ قلّتين لا ينجس بملاقاة نجس ، لحديث « إذا كان الماء قُلَّتين لم يحمل الخَبَثَ » أي لا يقبل النّجس . هذا ما لم يتغيّر لونه أو طعمه أو ريحه فينجس لحديث: « إنّ الماء طَهورٌ لا ينجّسه شيء إلاّ ما غيّر لونَه أو طعمَه أو ريحَه » .
فإن تغيّر وصف من هذه الأوصاف تنجّس ، فإن زال تغيّره بنفسه أو بماء انضمّ إليه طهر . وما دون القلّتين ينجس بالملاقاة ، فإن بلغهما بماء ولا تغيّر به فطهور .
ولو كوثر بإيراد طهور فلم يبلغ قلّتين لم يطهر . وقيل: هو طاهر لا طهور .
وعند الحنابلة: يختلف تطهير الماء المتنجّس بالمكاثرة باختلاف أحوال ثلاث للماء: أن يكون دون القلّتين ، أو وفق القلّتين ، أو زائدًا عنهما .
-1 - فإن كان دون القلّتين فتطهيره بالمكاثرة بماء آخر .