التّعريف:
1 -التّثليث: مصدر ثلّث ، ويختلف معناه في اللّغة باختلاف مواضع استعماله ، يقال: ثلّث الشّيء: جزّأه وقسّمه ثلاثة أقسام ، وثلّث الزّرع: سقاه الثّالثة ، وثلّث الشّراب: طبخه حتّى ذهب ثلثه أو ثلثاه ، وثلّث الاثنين: صيّرهما ثلاثةً بنفسه . أمّا في اصطلاح الفقهاء: فيطلقونه على تكرار الأمر ثلاث مرّات ، وعلى العصير الّذي ذهب بالطّبخ ثلثه أو ثلثاه .
الحكم الإجماليّ:
يختلف حكم التّثليث باختلاف مواطنه على النّحو التّالي:
أ - التّثليث في الوضوء:
2 -يسنّ التّثليث في الوضوء عند الأئمّة الثّلاثة ، وهو رواية عن المالكيّة ، وذلك بتكرار غسل الوجه واليدين والرّجلين إلى ثلاث مرّات مستوعبات . وهو مستحبّ في المشهور من مذهب المالكيّة . وقيل: الغسلة الثّانية سنّة ، والثّالثة فضيلة ، وقيل: العكس . أمّا الرّجلان ففي تثليث غسلهما في الوضوء عند المالكيّة قولان مشهوران:
الأوّل: أنّ الرّجلين كالوجه واليدين ، فتغسل كلّ واحدة ثلاثًا وهو المعتمد .
والقول الثّاني: أنّ فرض الرّجلين في الوضوء الإنقاء من غير تحديد .
ولا يسنّ التّثليث في مسح الرّأس عند الحنفيّة ، وفي الصّحيح من مذهب الحنابلة ، وأمّا عند المالكيّة فقيل: ردّ اليدين ثالثةً في مسح الرّأس لا فضيلة فيه ، وذهب أكثر علمائهم إلى أنّ ردّ اليدين ثالثةً فضيلة إذا كان في اليدين بلل ، ولا يستأنف الماء للثّانية ولا للثّالثة .
وذهب الشّافعيّة ، والحنابلة في رواية إلى أنّ التّثليث يسنّ في مسح الرّأس ، بل يسنّ التّثليث عند الشّافعيّة في المسح على الجبيرة ، والعمامة ، وفي السّواك ، والتّسمية ، وكذا في باقي السّنن إلاّ في المسح على الخفّ ، وكذا تثليث النّيّة في قول لبعض الشّافعيّة . وذهب ابن سيرين إلى مسح الرّأس مرّتين .
والأصل فيما ذكر ، ما رواه ابن عبّاس رضي الله عنهما ، قال: « توضّأ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مرّةً مرّةً » أخرجه البخاريّ . وروى عثمان رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « توضّأ ثلاثًا ثلاثًا » .
ثمّ الزّيادة على الثّلاث المستوعبة مع اعتقاد سنّيّة الثّلاث لا بأس بها عند الحنفيّة في رواية . والصّحيح عند الأئمّة الثّلاثة ، وهو رواية عن الحنفيّة: أنّها تكره .
ب - التّثليث في الغسل:
3 -يسنّ التّثليث في الغسل عند الأئمّة الثّلاثة كالوضوء ، فيغسل رأسه ثلاثًا ، ثمّ شقّه الأيمن ثلاثًا ، ثمّ شقّه الأيسر ثلاثًا .
وذهب المالكيّة إلى أنّ التّثليث مستحبّ في الغسل ، وإن لم تكف الثّلاث زاد إلى الكفاية . والأصل في هذا الباب ، ما روته عائشة رضي الله تعالى عنها « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثًا ، وتوضّأ وضوءه للصّلاة ، ثمّ يخلّل شعره بيده ، حتّى إذا ظنّ أنّه قد روى بشرته أفاض الماء عليه ثلاث مرّات ، ثمّ غسل سائر جسده » .
ج - التّثليث في غسل الميّت:
4 -يستحبّ التّثليث في غسل الميّت عند الأئمّة الثّلاثة ، ويسنّ عند الحنفيّة ، واتّفقوا على جواز الزّيادة عليه ، لأنّ المقصود في غسل الميّت النّظافة والإنقاء ، فإن لم يحصل التّنظيف بالغسلات الثّلاث زيد عليها حتّى يحصل ، مع جعل الغسلات وترًا .
والأصل فيما ذكر ، خبر الشّيخين: « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال لغاسلات ابنته زينب رضي الله تعالى عنها: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها ، واغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا ، أو أكثر من ذلك إن رأيتنّ ذلك بماء وسدر ، واجعلن في الآخرة كافورًا ، أو شيئًا من كافور » . وكذا يستحبّ التّثليث ، وتجوز الزّيادة عليه عند جمهور الفقهاء في تجمير الميّت وكفن الميّت ، والميّت عند موته ، وسريره الّذي يوضع فيه .
والأصل فيما ذكر ، ما روي عنه عليه الصلاة والسلام « إذا أجمرتم الميّت فأجمروه ثلاثًا » . وفي لفظ « فأوتروا » . وفي لفظ البيهقيّ: « جمِّروا كفن الميّت ثلاثًا » .
د - التّثليث في الاستجمار والاستبراء:
5 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ الواجب في الاستجمار الإنقاء دون العدد . ومعنى الإنقاء هنا هو إزالة عين النّجاسة وبلّتها ، بحيث يخرج الحجر نقيًّا ، وليس عليه أثر إلاّ شيئًا يسيرًا . وأمّا التّثليث فمستحبّ عندهم وإن حصل الإنقاء باثنين ، بينما يشترط الشّافعيّة والحنابلة في الاستجمار أمرين: الإنقاء وإكمال الثّلاثة ، أيّهما وجد دون صاحبه لم يكف ، والحجر الكبير الّذي له ثلاث شعب يقوم مقام ثلاثة أحجار .
كذلك قال جمهور الفقهاء: بأنّه يستحبّ نتر الذّكر ثلاثًا بعد البول لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثًا » .
وتفصيل أحكام الاستجمار والاستبراء في مصطلحي ( استنجاء ) و ( استبراء ) .
هذا ، ويستحبّ التّثليث عند جمهور الحنفيّة في غسل النّجاسات غير المرئيّة ، وكذلك إزالة النّجاسات المرئيّة عند بعض الحنفيّة ، وهو رواية عن الحنابلة .
وأمّا المالكيّة والشّافعيّة ، والحنابلة في رواية فلا يشترطون العدد فيما سوى نجاسة ولوغ الكلب . ونجاسة الخنزير كنجاسة الكلب في ذلك عند الشّافعيّة والحنابلة .
هـ - التّثليث في تسبيحات الرّكوع والسّجود: