التّعريف:
1 -المعفوّات لغةً: جمع مفرده معفوّة وهي اسم مفعولٍ من فعل عفا يعفو , ومن معاني العفو في اللغة: التّجاوز عن الذّنب وترك العقاب عليه , وأصله المحو والطّمس , يقال: عفوت عن فلانٍ أو عن ذنبه إذا صفحت عنه وأعرضت عن عقوبته وهو يعدّى بعن إلى الجاني والجناية , فإذا اجتمعا عدّي إلى الأوّل باللام فقيل عفوت لفلان عن ذنبه .
قال الأزهري: العفو صفح اللّه عن ذنوب عباده ومحوه إيّاها بتفضله .
ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن معناه اللغويّ .
ضبط المعفوّات من الأنجاس:
2 -الأصل أنّ كلّ مأمورٍ يشق على العباد فعله سقط الأمر به وكل منهيّ شقّ عليهم اجتنابه سقط النّهي عنه .
والمشاق ثلاثة أقسامٍ:
مشقّة في المرتبة العليا فيعفى عنها إجماعًا كما لو كانت طهارة الحدث أو الخبث تذهب النّفس أو الأعضاء .
ومشقّة في المرتبة الدنيا فلا يعفى عنها إجماعًا , كطهارة الحدث والخبث بالماء البارد في الشّتاء .
ومشقّة متردّدة بين المرتبتين , فمختلف في إلحاقها بالمرتبة العليا فتؤثّر في الإسقاط أو بالمرتبة الدنيا فلا تؤثّر , وعلى هذا الأصل يتخرّج الخلاف في العفو عن النّجاسات نظرًا إلى أنّ هذه النّجاسة هل يشق اجتنابها أم لا ؟ .
وفيما يلي نذكر آراء الفقهاء في ضبط المعفوّات:
أوّلًا: مذهب الحنفيّة:
3 -بتتبع عبارات الحنفيّة في مسائل المعفوّات يتبيّن أنّ العفو عندهم يدخل على أنواع النّجاسات , وفرّقوا بين المخفّفة والمغلّظة ووضعوا لكلّ نوعٍ تقديراتٍ وضوابط .
فقد قال أبو حنيفة: ما توافقت على نجاسته الأدلّة فمغلّظ سواء اختلف فيه العلماء وكان فيه بلوى أم لا وإلا فهو مخفّف .
وقال أبو يوسف ومحمّد: ما اتّفق العلماء على نجاسته ولم يكن فيه بلوى فمغلّظ وإلا مخفّف ولا نظر للأدلّة .
4 -أمّا النّجاسة المغلّظة فقد عفي عن قدر الدّرهم منها , واختلفت الرّوايات فيه: والصّحيح أن يعتبر بالوزن في النّجاسة المتجسّدة , وهو أن يكون وزنه قدر الدّرهم الكبير المثقال , وبالمساحة في غيرها وهو قدر مقعّر الكفّ داخل مفاصل الأصابع , وقال منلا مسكين: وطريق معرفته أن تغرف باليد ثمّ تبسط فما بقي من الماء فهو مقدار الكفّ . والمراد بالعفو عن قدر الدّرهم هو العفو عن فساد الصّلاة به وإلا فكراهة التّحريم باقية بإجماع الحنفيّة إن بلغت النّجاسة المغلّظة الدّرهم , وتنزيهًا إن لم تبلغ .
وفرّعوا على ذلك ما لو علم قليل نجاسةٍ عليه وهو في الصّلاة ففي الدّرهم يجب قطع الصّلاة وغسلها ولو خاف فوت الجماعة لأنّها سنّة وغسل النّجاسة واجب وهو مقدّم , وفي الثّاني - أي في أقلّ من الدّرهم - يكون ذلك أفضل فقط ما لم يخف فوت الجماعة بأن لا يدرك جماعةً أخرى وإلا مضى على صلاته لأنّ الجماعة أقوى , كما يمضي في المسألتين إذا خاف فوت الوقت لأنّ التّفويت حرام ولا مهرب من الكراهة إلى الحرام .
قال الحمويّ: والمعتبر في ذلك وقت الإصابة فلو كان دهنًا نجسًا قدر الدّرهم وقت الإصابة فانبسط فصار أكثر منه لا يمنع في اختيار المرغينانيّ وغيره , ومختار غيرهم المنع , ولو صلّى قبل انبساطه جازت وبعده لا , وبه أخذ الأكثرون .
5 -وصرّح الحنفيّة بأنّه لا يعفى عن النّجاسة المغلّظة إذا زادت على الدّرهم مع القدرة على الإزالة , وعفي عن النّجاسة المخفّفة عمّا دون ربع الثّوب , لأنّ التّقدير فيها بالكثير الفاحش وللربع حكم الكلّ في الأحكام , يروى ذلك عن أبي حنيفة ومحمّدٍ وهو الصّحيح - كما قاله الزّيلعي - ثمّ اختلفوا في كيفيّة اعتبار الربع:
فقيل ربع جميع ثوبٍ عليه ، وعن أبي حنيفة ربع أدنى ثوبٍ تجوز فيه الصّلاة كالمئزر , وقيل ربع طرفٍ أصابته النّجاسة كالذّيل والكمّ , وعن أبي يوسف شبر في شبرٍ وعنه ذراع في ذراعٍ ومثله عن محمّدٍ , وروى هشام عن محمّدٍ أنّ الكثير الفاحش أن يستوعب القدمين وروي عن أبي حنيفة أنّه كره أن يحدّ لذلك حدًا وقال: إنّ الفاحش يختلف باختلاف طباع النّاس فوقف الأمر فيه على العادة كما هو دأبه .
وقال الشلبي نقلًا عن زاد الفقير: والأوجه اتّكاله إلى رأي المبتلى إن استفحشه منع وإلا فلا .
وقالوا: إنّما قسّمت النّجاسات إلى غليظةٍ وخفيفةٍ باعتبار قلّة المعفوّ عنه من الغليظة وكثرة المعفوّ عنه من الخفيفة ولا فرق بينهما في كيفيّة التّطهير وإصابة الماء والمائعات لأنّه لا يختلف تنجسها بهما .
قال ابن عابدين: إنّ المائع متى أصابته نجاسة خفيفة أو غليظة وإن قلّت تنجّس ولا يعتبر فيه ربع ولا درهم , نعم تظهر الخفّة فيما إذا أصاب هذا المائع ثوبًا أو بدنًا فيعتبر فيه الربع .
وقال أيضًا: إن اختلطت الغليظة والخفيفة ترجّح الغليظة مطلقًا وإلا فإن تساويا أو زادت الغليظة فكذلك وإلا ترجّح الخفيفة .
ثانيًا: مذهب المالكيّة:
6 -قسّم المالكيّة النّجاسات من حيث حكم إزالتها إلى أربعة أقسامٍ:
القسم الأوّل: يعفى عن قليله وكثيره ولا تجب إزالته إلا أن يتفاحش جدًا فيؤمر بها .
وهذا القسم هو كل نجاسةٍ لا يمكن الاحتراز عنها , أو يمكن بمشقّة كثيرةٍ كالجرح يمصل , والدمّل يسيل , والمرأة ترضع , والأحداث تستنكح , والغازي يفتقر إلى إمساك فرسه .
قال ابن شاسٍ: وخصّ مالك هذا ببلد الحرب , وترجّح في بلد الإسلام .
القسم الثّاني: يعفى عن اليسير منه إذا رآه في الصّلاة ويؤمر بغسله قبل الدخول فيها , وقيل: لا يؤمر بذلك , وهو الدّم , وهل يلحق به في العفو قليل القيح وقليل الصّديد ؟ أو يلحقان بقليل البول ؟ في ذلك قولان .